رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 2 نيسان( ابريل ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2407

بين المماليك وداعش.. محاولة لفهم تاريخ العرب المعاصر

الثلاثاء - 24 اذار( مارس ) 2020

أحمد الدَبَشْ*
(1 ـ 2) 
تعيد الباحثة في الشؤون التاريخية الكاتبة هالة العوري، في كتابها الصادر حديثا بعنوان "بين المماليك وداعش"، تقليب صفحات التاريخ السياسي للمنطقة العربية، منذ عصر المماليك وصولا إلى الواقع الحالي، مرورا بالحقبة العثمانية، في محاولة لفهم الأسباب العميقة التي أوصلت المنطقة العربية والإسلامية إلى ما هي عليه الآن.
وفي تسلسل تاريخي فيه الكثير من دقة الملاحظة والاستنتاج، تصل الكاتبة هالة العوري إلى أن الأطراف المتصارعة على النفوذ في منطقتنا العربية والإسلامية، على الرغم من التناقضات الشكلية في مشاريعها، إلا أنها في النهاية لا متلك من شروط الصمود في مواجهات القوى الدولية التي بدت أكثر ذكاء ودهاء في توظيف هذه الصراعات لصالح مشاريعها المهيمنة، التي أثمرت مجموعة نظم حكم وجودها مرتبط بدعم القوى الدولية لها.
رؤية المماليك للاستيطان الفرنجي
 يغطي الكتاب في 199 صفحة من الحجم المتوسط، ويتألف من مدخل، وعشرة فصول. ومحور الكتاب، هو، "صواب الرؤية الاستراتيجية لمؤسس الدولة المملوكية، ركن الدين الظاهر بيبرس، تجاه خطورة الاستيطان الفرنجي، المتشح بالصليب، في المشرق العربي، على الوجود المادي والحضاري ومستقبل شعوب المنطقة العربية والإسلامية، فعمل جاهدًا على استئصال شأفة بؤر الاستيطان، وملاحقة المغول وترويضهم في آن، ومقارنة ذلك النجاح المملوكي، بالعجز العربي والإسلامي المخيِّم الآن لما يقرب من القرن ونيّف، في الارتفاع إلى مستوى الصراع العربي ـ الصهيوني، المتمثل بدولة الاستيطان (إسرائيل)، والذي يصل إلى التهديد الوجودي ليس للفلسطينيين وحدهم وحسب، بل لشعوب المنطقة كافة، والدفع بهم خارج التاريخ!" (ص 5 ـ 6).
استطاعت الدولة المملوكية، خلافًا للشائع، تأسيس سلطة اجتماعية على نحو حيوي متوازن، بحيث اتسمت ممارسة النخبة المتنفذة من الأمراء المماليك عامة، بالدقة وبالتنظيم الفعال، بهدف تطويق حالات الفوضى الممنهجة وتعزيز التماسك الاجتماعي.
تتناول المؤلفة، في الفصل الأول، "حين يُنصف المماليك"، الدراسات التي أبقت المماليك ودولتهم، "في حالة ضبابية ملتبسة، شوَّهت الحقيقة وأضاعتها في متاهات التغزل بالمبانى الفارهة والذوق الفني الرفيع، وباتت إنجازات فرسان المماليك العسكرية الباهرة مجرّد نتوء شاذ في خضم فوضى واضطربات عارمة، أحاطت بدولتهم" (ص 15). 
وبحسب المؤلفة، "استطاعت الدولة المملوكية، خلافًا للشائع، تأسيس سلطة اجتماعية على نحو حيوي متوازن، بحيث اتسمت ممارسة النخبة المتنفذة من الأمراء المماليك عامة، بالدقة وبالتنظيم الفعال، بهدف تطويق حالات الفوضى الممنهجة وتعزيز التماسك الاجتماعي. اللافت بحق، عدم قيام الدولة المملوكية، على الاستبداد والقمع أو على مبدأ التوريث، كما لم تكن أيضًا مجرد فصائل فوضوية متناحرة، بل استندت إلى قدرة الحاكم على التواصل والتوسط لحل النزاعات، وذلك بفتح حلقة الصراع بين أعضاء النخبة من ذوي النفوذ، لتحويل مطالبهم واهتماماتهم إلى نتائج تحفظ بنية الدولة وتماسكها الاجتماعي" (ص 28). 
وتتبعه بالفصل الثاني، "تراضي المماليك"، وتعرفنا المؤلفة على الفواصل الرئيسية في الدولة المملوكية، فقد ظهرت الدولة المملوكية (1250 ـ 1517م)، "أثبت فرسان المماليك قدرتهم على الدفاع عن حياض الإسلام والمنطقة العربية، وهذا في حد ذاته سببًا أساسيًّا ورئيسًا لتوليهم سلطة الحكم، وإضفاء الشرعية على دولتهم المملوكية" (ص 33). وتحدثنا المؤلفة عن الصراع بين قطز وبيبرس، واغتيال قطز، وتولى بيبرس الحكم، وتأمين الوضع الداخلى في البلاد، ومواجهة الخطر الصليبي. وبذلك "يعيد الباحثون الفضل إلى الظاهر بيبرس في تأسيس الدولة المملوكية، وكذلك يقدرون جهوده في توحيد المنطقة العربية، وإقامة دولة قوية ضمت بين جوانبها سوريا ومصر والحجاز، حظيت بمهابة واحترام القوى المعاصرة على المستوى العالمي آنذاك"، (ص 44).
من المماليك إلى العثمانيين
تصل المؤلفة إلى "قرن واعد، ولكن!"، كفصل ثالث، وتحاول في هذا الفصل تعداد الأسباب التي أدت إلى نهاية الدولة المملوكية، وبداية سيطرة الدولة العثمانية على سوريا ومصر. وتبحث المؤلفة في وضع  مصر، في ظل الحكم العثماني، وتقول: "يصبح الوضع إلى ما قبل القرن التاسع عشر أكثر وضوحًا، حيث نجد مجتمعًا يفيض بالحيوية، يشارك أفراده في الأنشطة المختلفة المعتادة، شأن شعوب العالم آنذاك، حيث لم يعد التقسيم جليًّا بين العسكر وبين الاقتصاديين والسياسيين، فقد تسلل أعضاء الأدجات ـ الوحدات العسكرية ـ العثمانية إلى الاقتصاد، سواء بصفتهم ملتزمين أو شركاء في التجارة والإنتاج. توفرت أيضًا فرص الحرفيين لتوسيع أنشطتهم، بما سمح بالتدفق الاجتماعي المتواصل، الأمر الذي أحدث تغييرات في البنية الاجتماعية، بحيث انخرط بعض صغار الحرفيين في تحالفات مع مختلف الوحدات العسكرية" (ص 58). 
وبحسب المؤلفة، "كان القرن الثامن عشر قرنًا واعدًا، اتسم بالحيوية، والتفتح وتطور واعد ذو شأن، غير أن أحداثًا ثلاثة، أصابته في الربع الأخير، قطعت على المنطقة العربية، طريق تطورها الموضوعي الذاتي: الحملة الفرنسية، وما أثارته من تداعيات، انفراد محمد على باشا بحكم مصر، واستنزافه المجتمع في بناء جيش قوي يلبي طموحه في بناء إمبراطوريته، ثالثًا ظهور الوهابية في جزيرة العرب في منتصف القرن، وما شكلته من تغييرات سلبية لا تزال آثارها فاعلة إلى يومنا هذا" (ص 66).
الكتاب: "بين المماليك وداعش"
المؤلف: هالة العوري
الناشر: بيسان للنشر والتوزيع ـ بيروت، (ط1، 2019).
• كاتب وباحث فلسطيني

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي