رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 26 ايار( مايو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2441

القران في النهضة الحضارية

الخميس - 21 ايار( مايو ) 2020

محمد عبد الجبار الشبوط

(٤)
(الشق الثاني)
المركب الحضاري تركيبة اجتماعية يمكن ان تكون في حالة صحية سليمة، او في حالة صحية مرضية. وبذا يمكن ان نتحدث عن مركب حضاري سليم ومركب حضاري مريض. والمرض عبارة عن خلل يصيب المركب الحضاري في احد عناصره او اكثر، والقيم الحضارية العليا الحافة بالمركب،
وحين يكون الخلل حادا وشاملا نطلق على المجتمع وصف المتخلف. فالتخلف هو في جوهره وماهيته خلل في المركب الحضاري. لا اقول ان الخلل سبب او علة التخلف، ولا اقول ان التخلف علة الخلل، انما اقول ان التخلف هو الخلل في المركب الحضاري. واذا جاز لنا ان نتحدث عن بنية تحتية للتخلف فأقول ان البنية التحتية هي الخلل في المركب الحضاري، واما البنية الخارجية، او المظاهر الخارجية للخلل والتخلف فهي الفساد وتدني الانتاج والبطالة والتبعية وغير ذلك من المشكلات، او الظواهر السلبية، السياسية والاقتصادية، وغيرها، التي يعاني منها المجتمع.
ويمكن ان نلاحظ ان القران كرس عددا كبيرا من آياته لمعالجة نواحي الخلل في المركب الحضاري.
اولى هذه المحاولات تتمثل في السعي لتحرير العقل من الخمول والكسل والبلادة والخرافات والتقليد الاعمى، والدعوة الى التفكير والنظر المنتج للعلم والمعرفة الصحيحين.
"قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ  أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا". 
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ". 
"وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ   وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ". 
"وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ   وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ". 
"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".
"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ".
"كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ".  
"وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا".  
"وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا".
وقد اكثرت من الاستشهاد بهذه الآيات التي تجعل العلم اساسا، لأهمية العلم في تحقيق النهضة الحضارية. والعلم يشمل المعرفة بالأشياء، والبحث فيها، والنهج العلمي، والذهنية العلمية، وجعل العلم منطلقا وشرطا للعمل والتصرف.  "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا".  كل هذا ليكون العلم مدخلا ومنطلقا لمعالجة هذا الخلل الكبير الدي يصيب العقل البشري، وبالتالي العنصر الرابع من عناصر المركب الحضاري وهو العلم. كل الحضارات القديمة والجديدة بدأت بالعلم، العلم بالنفس اولا، والعلم بالطبيعة ثانيا، والعلم بالتاريخ ثالثا، وهكذا. والتاريخ يشهد ان التقدم العلمي، الذي هو من شروط الحضارة. يسر في خط تصاعدي تكاملي مضطرد. وان الشعوب يكمل بعضها البعض في هذا المسار التاريخي الطويل. فاذا سقطت الراية العلمية من يد شعب او مجتمع، تلقفها شعب او مجتمع اخر، لتواصل البشرية سيرها في طريق زيادة العلم والمعرفة. 
ولا يزدهر العلم الا بتوفر شروطه الاساسية ومنها: الحرية، وتوفر الامكانيات البحثية، والربط بالحياة بحيث تكون للعلم منفعة في تحسين الحياة وتنمية الانتاج وتسهيل الاجراءات وتحديث الادارة والتخطيط المستقبلي.
ان الذي افهمه من القران الكريم في هذه القراءة انه يجعل من تحرير العقل شرطا مهما من شروط النهوض الحضاري. وعليه، فان على الذين يتلون القران ان يحذوا حذوه في هذا ويجعلوا من عقلهم المستنير والمتحرر طريقا الى الفهم والتفكير والتعلم.
يتبع..

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي