رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

"العالم" تتقصى ملف الدرجات الخاصة: وكيل وزير يقاوم قرارات "العزل" لـ15 عاما.. هل يلتقطه رادار "الورقة البيضاء"؟

الأحد - 28 حزيران( يونيو ) 2020

بغداد ـ محمد الهادي
معروف ان بعضا من رؤساء الحكومات، في عهد ما بعد التغيير، حاول تهيئة مناخ إداري، يسمح له بالتحرك المريح في إدارة مؤسسات ودوائر الدولة، لكن جميع تلك المحاولات، بلا استثناء، كانت تصطدم بحائط ما تشكل لاحقا: المحاصصة المكوناتية والحزبية.
بالتزامن مع تحريك رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، "ورقته البيضاء" تجاه ملف الدرجات الخاصة في وزارات الدولة، حاولت "العالم" ان تتقصى مصير هذا الملف، وتلك المناصب. لكنها قررت التوقف عند أول خطوة، وفي أول وزارة، بدأت منها رحلة كتابة التقرير.
الوجهة الأولى لمراسل "العالم" كانت وزارة النقل. وفيها طالعنا تلك الرواية "الأسطورية"، في اضبارة أحد وكلاء الوزارة، الذي تعرض للعزل من قبل عدد من الوزراء المتعاقبين على كرسي النقل، لكنهم ذهبوا، وبقي هو.
منذ ابتداع منصب المستشار الامني، في مرحلة ما بعد العام 2003، كان المقدم (سلمان صدام جاسم)، الضابط في الجيش العراقي، المنحل من قبل الحاكم المدني للعراق بول بريمر في العام ذاته، يدير هذه المهمة في الوزارة، قبل ان يتم الغاؤها في كافة الوزارات، عام 2006. لكن المستشار فهم ان عملية الوصول الى المنصب تتطلب سكة حزبية، فكان خياره التيار الصدري، إذ حظي بدعم رجالاته ليكون وكيل وزير.
في وقت لاحق، شملت هيئة المساءلة والعدالة الوكيل الاداري (سلمان) بإجراءاتها. ودعت في ثلاثة كتب رسمية، حصلت "العالم" على نسخ منها، الى استبعاده عن الوظيفة، ووجهت بـ"عدم تسنمه المناصب الادارية العليا، مدير عام فما فوق"، كان ذلك في العام 2010. بينما جميع ذلك لم يبعده عن الوظيفة، لأنه تحصل، لوحده دون اقرانه المشمولين، على كتاب من الهيئة ذاتها، تلغي شموله بتلك الاجراءات.
وتشير اضبارة الوكيل الى انه تم عزله في عهد الوزيرين عامر عبد الجبار في حكومة المالكي الاولى، ومن قبل باقر جبر صولاغ، في حكومة العبادي، حيث شملت "الاصلاحات الحكومية"، التي أطلقت في آب العام 2015، عددا كبيرا من الدرجات الخاصة، لكنه ترك المنصب خلال وزارة الكابتن فنجان، وبقدرة الضغط الحزبي، على القضاء عاد للوظيفة.
ومن قبل ذلك، لاحظنا وجود كتاب يحمل أمر ديواني بإحالته على التقاعد في العام 2015. وهذا لم ينفذ أيضا.
أما في عهد الوزير السابق، عبدالله لعيبي، فقد جرى تجريده من أية مهام إدارية.
يشار أيضا الى ان الوكيل الاداري للنقل، تمكن من الحصول على شهادتي الماجستير من الجامعة المستنصرية بدعم من الدكتورة الاكاديمية في الجامعة انتظار الشمري، التي ترشحت للانتخابات العامة في العام 2018، لكن جرى استبعادها، بسبب مقطع فيديو جنسي، قيل انه "مفبرك". أما الدكتوراه، فحصل عليها من دولة السودان، التي لدى العراق فيها، سفير مدعوم من التيار الصدري. كان قد تدبر له ذلك.
ويعني ذلك، ان الوكيل تحصل على الشهادتين خلال وظيفته وكيلا للوزارة، وهذا بخلاف القانون.
بعد منتصف الشهر الجاري، أصدر مكتب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، توجيها الى "الوزارات كافة" بتزويده بـ"جدول" للدراجات الخاصة، بما فيها المدراء العامون، خلال ثلاثة أيام.
وتقول مصادر مطلعة على صناعة القرار الحكومي لـ"العالم" يوم امس، ان هناك اكثر من 1200 منصب، تدار بالوكالة.
وتضيف، ان ما اضطر الكاظمي لطلب جرد هذه المناصب في جميع المفاصل، هو "ضياع قاعدة المعلومات في رئاسة الوزراء".
لاحقا، وتحديدا قبل يومين، وجه رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، بتغيير عدد من رؤساء الهيئات، وأصحاب الدرجات الخاصة.
وتناقلت وسائل اعلام محلية، ومنصات التواصل الاجتماعي، أنباء عن "تعيين حيدر حسن الشمري رئيساً للوقف الشيعي، ونائل سعد عبد الهادي رئيساً لسلطة الطيران المدني". كما شملت الانباء "إعفاء رئيس هيأة التقاعد أحمد الساعدي من منصبه، وتعيين اياد محمود هادي محله، بالإضافة الى تعيين باسم علي اثير مديراً لمصرف الرشيد".
واستبدل الكاظمي أيضا، بحسب مصادر صحافية، أشرف الدهان، صفاء ربيع، وخليل الطيار في هيئة الاعلام والاتصالات، بكلّ من بسام سالم، محمد عبدالسادة، وعادل سلمان.
وتعقيبا على ذلك، قال النائب عن تيار الحكمة، حسن فدعم، ان كتاب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بشأن حصر تعيين المدراء العامين والدرجات الخاصة بموافقة مجلس الوزراء "صحيح"، ويندرج ضمن السياقات القانونية التي نص عليها الدستور.
وأضاف فدعم، النائب عن محافظة بابل، أن "القانون وضع آليات واضحة في ما يتعلق بتعيين او اعفاء المدراء العامين والتي هي ليست من صلاحيات الوزارات او المحافظين تنفيذ اجراءات الاقالة او التعيين للمدراء العامين، بل هي صلاحيات حصرية بمجلس الوزراء".
ولا يبدو أن كلام هذا النائب، الذي هو قيادي في الحشد الشعبي، قد سمع به وزراء الحكومات المتعاقبة، او المحافظون، الذين حوّل بعضهم تلك المناصب الى (بورصة أوراق مالية)، تعتمد عملية "الاستثمار" فيها على الرقم المالي الاعلى. وهذا يتصاعد، تدريجيا، بحسب المنصب الشاغر. وربما تبلغ الذروة مع الكراسي الذهبية في وزارات الكهرباء، النفط والنقل وغيرها.
قبل أقل من أسبوعين، جرت عملية تنصيب مدير، لأحد تلك المناصب "الذهبية"، بواسطة السلاح؛ حيث داهمت قوة مسلحة قوامها 50 عنصرا أمنيا مدججين بالسلاح، يرافقها نائبان، لمقر شركة موانئ العراق، لإخراج مديرها العام، المدعوم من محافظ البصرة، وتنصيب آخر يدعمه الأمين العام لمجلس الوزراء، حميد الغزي.
يشار الى ان تلك العملية تزامنت مع اصدار مكتب رئيس الوزراء، كتابا بعدم جواز تعيين المدراء العامين والدرجات الخاصة الا بموافقة مجلس الوزراء.
ويوضح فدعم، أن "الدرجات الخاصة تتم عن طريق ترشيحها من قبل مجلس الوزراء الى مجلس النواب للتصويت عليها، وهذا لم يحصل طيلة السنوات السابقة".
ان الهياكل التنظيمية للوزارات والهيئات المستقلة مثبتة بموجب القوانين التي استحدثتها الانظمة الداخلية التي صدرت لتنفيذها، وبالتالي فان أية تغييرات عليها ينبغي اجراؤها من خلال تعديل القوانين والانظمة الداخلية. ومعنى هذا، ان مساحة تحرك رئيس الوزراء، ستكون مطوقة، لا يمكن لها ان تتجاوز صلاحية مجلس النواب، إذ تقضي تلك القوانين بتدخل البرلمان لتعيين اصحاب المناصب الخاصة.
وهنا، يقول الخبير القانوني الدكتور علي التميمي، ان "تعيين الدرجات الخاصة وفق الدستور مسؤولية البرلمان، ولا يكون للحكومة سوى حق الاقتراح".
وينبه التميمي، الى عدم وجود نص قانوني يتيح التعيين بالوكالة، مطالبا البرلمان بأن يشرع قانوناً خاصاً يوضح مدة التعيين بالوكالة، وان يحدد أيضا الدرجات المعنية، لان مسؤولية البرلمان التعيين بالأصالة للوكلاء والسفراء والمدراء العامين، وغيرهم من أصحاب الدرجات الخاصة".
لكن طارق حرب، الخبير الدستوري، ينفي على التميمي حجته، ويقول بخلاف ذلك من أن إجراءات رئيس الحكومة بعزل وإحالة بعض أصحاب الدرجات الخاصة "قانونية ودستورية".  
وقال حرب في تصريح أرسله لـ"العالم"، يوم أمس، إن "المادة (78) من الدستور منحت رئيس الوزراء صلاحية كبيرة، إذ قررت هذه المادة أنه القائد العام للقوات المسلحة وأنه رئيس الوزراء ومنحته صلاحية ثالثة عظيمة وخطيرة ومهمة، هي اعتباره المسؤول عن السياسة العامة للدولة، وهكذا فهو مسؤول الدولة وليس مسؤول الحكومة فقط".  
وأضاف، أن "الدولة دستورياً وقانونياً ولغوياً تشمل الوزارات والأقاليم والمحافظات والبرلمان ومجلس القضاء والاستخبارات والمخابرات والأمن الوطني والهيئات المستقلة وغير المستقلة وغيرها، لأن مصطلح (دولة) الذي منح رئيس الوزراء سلطة وصلاحية، جاء مطلقاً عاماً شاملاً محدداً، فهو يشمل جميع من ذكرنا وغيرهم ما لم يوجد نص دستوري، إذ في هذه الحالة يطبق النص الدستوري وهذا يظهر في السلطتين التشريعية والقضائية".  
وبالتالي، فان حرب يرى، أن "إجراءات رئيس الوزراء بصرف بعض أصحاب الدرجات الخاصة والمدراء وإحالتهم على التقاعد أو نقلهم أو عزلهم عن المناصب التي يشغلوها دستورية قانونية واجبة التنفيذ".
ويلفت حرب الى، أن "جميع المذكورين في الدرجات الخاصة لم يصوت عليهم مجلس النواب الحالي، باستثناء أعضاء مفوضية الانتخابات ومفوضية حقوق الإنسان، وبما لا يزيد على عشرة فقط من بين آلاف الخاضعين لسلطة رئيس الوزراء، كما أن جميع المدراء لم يصوت عليهم مجلس الوزراء الحالي، وبالتالي فإن الدستور والقانون مع الكاظمي في إجراءاته".
وكان رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، قال الاثنين الماضي، أن حكومته أعدّت "ورقة بيضاء" للإصلاحات المرتقبة، واتخذت توصيات أولية يجري النقاش بشأنها قبل المضي قدما بها، مبينا "ضرورة التكامل ما بين الحكومة ومجلس النواب لدعم هذه الإصلاحات".  
وقال، ان "التعاون ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، يؤدي الى خدمة المواطن وتحقيق المصلحة العامة للبلد، وتجاوز التحديات التي يواجهها".

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي