بغداد – العالم
تتزايد الضغوط على الاقتصاد العراقي مع تحذيرات من دخول البلاد مرحلة انكماش اقتصادي حاد خلال العام الحالي، في ظل تراجع الإيرادات النفطية واضطراب الصادرات، بالتزامن مع انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي وتصاعد أعباء المالية العامة. ويضع هذا المشهد الحكومة أمام تحديات متشابكة تتعلق بتمويل الإنفاق، والحفاظ على الاستقرار النقدي، والحد من انتقال تداعيات الأزمة إلى المواطنين والأسواق والقطاع الخاص.
أن توقعات دولية تشير إلى احتمال انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 12.4 بالمئة خلال عام 2026، نتيجة الضغوط التي فرضها تراجع إنتاج النفط وصادراته، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على حركة التجارة والطاقة والإيرادات الحكومية.
وبحسب ما رصدته «العالم»، فقد تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي من نحو 102 مليار دولار في فبراير الماضي إلى 78.3 مليار دولار في يوليو، بانخفاض بلغ 23.7 مليار دولار خلال خمسة أشهر، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الموارد المالية والنقدية في البلاد، ويزيد أهمية الحفاظ على الاحتياطي بوصفه خط دفاع أساسياً أمام الصدمات الخارجية.
وفي هذا السياق، حذر المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، من انعكاسات الانكماش المتوقع على المالية العامة، موضحاً أن انخفاض إنتاج النفط وتراجع صادراته لا يؤثران في الناتج المحلي الإجمالي فحسب، وإنما يمتدان إلى الإيرادات الحكومية وقدرة الدولة على تمويل نفقاتها، فضلاً عن تأثير الإنفاق الحكومي المباشر في حركة النشاط الاقتصادي.
وأكد صالح أن مواجهة هذه الضغوط تتطلب ضبط الإنفاق الجاري وتنمية الإيرادات غير النفطية، مع تجنب الاعتماد المستمر على الاحتياطيات لتمويل العجز، بما يساعد على الحفاظ على هامش أمان نقدي يمكن الدولة من الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
ورصدت «العالم» أن تعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار يأتي ضمن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة الضغوط المالية والنقدية، إلا أن تداعياته تبقى مرتبطة بقدرة السلطات على ضبط الأسواق ومنع انتقال الكلفة بصورة واسعة إلى المواطنين، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة السلع والخدمات المستوردة.
وفي السياق نفسه، حذر عضو اللجنة المالية النيابية أحمد الشرماني من أن استمرار تراجع الموارد مقابل ارتفاع الالتزامات قد يدفع الحكومة إلى خيارات صعبة، تشمل تقليص الإنفاق الاستثماري أو زيادة الاقتراض لتأمين النفقات الأساسية. وأشار إلى أن آثار الأزمة لن تقتصر على المؤشرات الاقتصادية، بل يمكن أن تمتد إلى المشاريع وفرص العمل وحركة الأسواق والقطاع الخاص.
أن خفض قيمة الدينار أمام الدولار قد يزيد الضغوط على الأسر، ولا سيما أن جزءاً كبيراً من احتياجات السوق العراقية يعتمد على الاستيراد، فيما تعتمد شرائح واسعة من المواطنين على دخول ثابتة لا ترتفع بالوتيرة نفسها التي قد ترتفع بها الأسعار.
من جهته، حذر الخبير الاقتصادي منار العبيدي من انتقال آثار الانكماش من القطاع النفطي إلى القطاعات غير النفطية، بسبب ارتباط التجارة والاستثمار والوظائف بدرجة كبيرة بالإنفاق الحكومي والطلب المحلي. كما أشار إلى أن زيادة الاقتراض الداخلي قد تؤدي إلى منافسة القطاع الخاص على التمويل، إذا وجهت المصارف جانباً أكبر من سيولتها نحو تمويل الدين الحكومي.
وبحسب ما رصدته «العالم»، فإن استمرار تراجع الاحتياطيات الأجنبية يمثل تحدياً إضافياً أمام البنك المركزي، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي على الاستيراد وحاجته المستمرة إلى الدولار. وقد يؤدي ضعف التدفقات النفطية إلى زيادة الضغوط على الاستقرار النقدي والأسعار، بالتزامن مع احتمال تباطؤ الطلب على السلع والخدمات وتراجع النشاط في القطاعات المرتبطة بالمشاريع والاستثمارات.
وتشير المعطيات إلى أن مواجهة الانكماش لا تتعلق بإجراء واحد، وإنما تحتاج إلى مسار مالي واقتصادي متكامل يقوم على تقليص الهدر، وتحسين إدارة الإنفاق، ومكافحة الفساد، وتنمية الإيرادات غير النفطية، ودعم الإنتاج المحلي، مع حماية الغذاء والدواء والوقود والخدمات الأساسية والفئات الأكثر تأثراً.





