د. موفق مجيد
ليست السينما مجموعة من الكلمات التي تتحرك على الشاشة، وليست الحوارات وحدها ما يمنح الفيلم قدرته على التأثير. أحياناً، تكون اللحظة الأكثر قوة في الفيلم هي تلك التي لا يقول فيها الممثل شيئاً، حين تكتفي الكاميرا بالنظر، ويترك المخرج للمشهد مهمة الكلام.
الصمت في السينما ليس فراغاً، بل لغة أخرى. نظرة طويلة، باب يُغلق ببطء، شارع خالٍ، كرسي ينتظر صاحبه، أو وجه يحاول إخفاء حزنه؛ كلها تفاصيل يمكن أن تقول ما تعجز عشرات الجمل عن قوله. ولهذا كان كبار المخرجين يعرفون أن الكاميرا لا تحتاج دائماً إلى الحوار لكي تحكي.
في الأفلام العظيمة، غالباً ما تكون الصورة أكثر صدقاً من الكلام. الشخصية التي تقول «أنا بخير» بينما تكشف عيناها عكس ذلك، تترك المشاهد أمام حقيقة مزدوجة، حقيقة ينطق بها اللسان، وأخرى ترويها الصورة، وهنا تبدأ السينما الحقيقية، عندما يصبح على المتلقي أن يقرأ ما وراء المشهد، لا أن ينتظر من الفيلم أن يشرح له كل شيء.
الصمت يمنح المشاهد أيضاً مساحة ليكون شريكاً في صناعة المعنى. فبدلاً من أن يخبره المخرج لماذا بكى البطل، أو ماذا يشعر، يترك له الفرصة لكي يفسر دموعه بنفسه. قد يرى مشاهد في اللقطة حزناً، ويرى آخر فيها خوفاً، بينما يجد ثالث فيها لحظة استسلام. الصورة الواحدة تستطيع أن تحمل أكثر من حكاية، وهذه إحدى أجمل أسرار الفن السينمائي.
وفي السينما العراقية، يمكن للصمت أن يكون أكثر من خيار جمالي؛ يمكن أن يصبح شاهداً على بلد عاش عقوداً من التحولات والحروب والانتظار. شارع فقد ملامحه، بيت غادره أهله، أم تنظر إلى صورة ابنها، أو مدينة تستيقظ بعد ليلة طويلة، كلها مشاهد يمكن أن تختصر تاريخاً كاملاً من دون حاجة إلى خطاب طويل.
ولعل قوة السينما تكمن في قدرتها على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى ذاكرة. فالمخرج لا يحتاج دائماً إلى تصوير الأحداث الكبرى حتى يحكي عن وطنه. قد تكفي نافذة تطل على شارع بغدادي، أو مقعد في محطة، أو صوت قطار يبتعد، ليشعر المشاهد أن وراء الصورة حكاية أكبر من حدود الشاشة.
في زمن أصبحت فيه الصورة سريعة ومزدحمة بالأصوات والمؤثرات، تبدو العودة إلى الصمت السينمائي أكثر أهمية، فالمشاهد اليوم محاصر بالصور، لكنه نادراً ما يمنح نفسه فرصة للتأمل في صورة واحدة.





