العراق يرسم من جديد.. ذاكرة قديمة على شاشة حديثة

هيئة التحريرمنذ 7 دقائقآخر تحديث :
العراق يرسم من جديد.. ذاكرة قديمة على شاشة حديثة

بغداد – العالم

لم يعد الفنان العراقي يقف أمام لوحة بيضاء ممسكاً بالفرشاة وحدها؛ فالشاشة أصبحت هي الأخرى مساحة للرسم، والصورة الرقمية تحولت إلى لغة جديدة تعيد تقديم العراق، بمدنه وذاكرته وأحلامه وأسئلته، من زاوية مختلفة. وبينما ظل الفن العراقي لسنوات طويلة مرتبطاً بالقماش والخشب واللون، جاءت التكنولوجيا لتفتح أمام الأجيال الجديدة أبواباً واسعة للتجريب.

في هذا المشهد، لا تبدو التكنولوجيا بديلاً عن الفن التقليدي بقدر ما أصبحت امتداداً له. فالفنان يستطيع أن يستعير من بغداد القديمة قوساً أو نافذة أو زقاقاً، ثم يعيد تركيبها رقمياً داخل مشهد معاصر، ليصنع صورة لا تنتمي بالكامل إلى الماضي ولا تستسلم للحاضر. إنها بغداد كما تراها عين الفنان بعد أن مرّت المدينة بكل ما مرّت به من تحولات.

وتمنح الوسائط الرقمية الفنان مساحة مختلفة للتعبير عن الذاكرة. فالصورة القديمة يمكن أن تعود إلى الحياة، والوثيقة التاريخية يمكن أن تدخل في عمل فني، والرمز الرافديني يمكن أن يجد مكانه إلى جانب أشكال حديثة، بينما تتحول الحرب والنزوح والمدينة والهوية إلى مفردات بصرية قابلة لإعادة التشكيل. وتشير دراسات حديثة إلى أن الفن الرقمي العراقي أصبح وسيلة للتعبير عن الهوية والذاكرة الجماعية وتوثيق الواقع الاجتماعي والسياسي.

واللافت أن الجيل الجديد من الفنانين لا ينظر إلى التراث بوصفه شيئاً محفوظاً داخل المتاحف فقط، بل مادة قابلة لإعادة القراءة. فالطين الرافديني، والكتابة المسمارية، والزخارف، والأساطير القديمة، وحتى تفاصيل البيوت والأسواق الشعبية، يمكن أن تتحول إلى عناصر في عمل رقمي حديث.

وهنا تكمن خصوصية التجربة العراقية: التكنولوجيا لا تقطع الصلة بالماضي، بل قد تمنح الماضي فرصة جديدة للظهور. فالفنان الذي يستخدم جهازاً لوحياً أو برنامجاً رقمياً يستطيع أن يحمل معه آلاف السنين من الذاكرة، ويقدمها إلى جمهور اعتاد الصورة السريعة والمنصات الرقمية.

كما أن المعارض والمبادرات الفنية الجديدة بدأت تمنح هذا الاتجاه مساحة أوسع، مع ظهور منصات تهتم بالفن العراقي المعاصر وتعمل على التوثيق الرقمي وعرض الأعمال وربط الفنانين بالجمهور العالمي.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل يستطيع الفن الرقمي أن يحتفظ بروح العراق؟

الإجابة ربما تكمن في الفنان نفسه، لا في الأداة التي يستخدمها. فالفرشاة ليست التي تصنع اللوحة، كما أن الشاشة ليست التي تصنع الفن. ما يمنح العمل روحه هو قدرة صاحبه على تحويل التجربة العراقية إلى معنى وجمال، وعلى جعل الصورة تقول شيئاً يتجاوز ألوانها وأشكالها.

لهذا، فإن مستقبل الفن العراقي قد لا يكون صراعاً بين القديم والجديد، بل حواراً بينهما. فرشاة بجانب شاشة، وذاكرة قديمة داخل صورة حديثة، وتراث يمتد من ألواح الطين إلى الذكاء الرقمي.

العراق الذي عرف الكتابة على الطين قبل آلاف السنين، يبدو اليوم مستعداً لكتابة ذاكرته من جديد… ولكن هذه المرة على الشاشة.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!