هوفيك حبشيان
أمضى الممثل الستيني عقوداً وهو يركض أمام الكاميرا، يقفز من الطائرات، يتسلّق المباني وينقذ العالم من المؤامرات والدسائس، يجد نفسه هذه المرة في الجهة الأخرى. هو المنقذ، نعم، لكنه أيضاً أحد الذين أسهموا في صناعة الخطر الذي يتعيّن عليه احتواؤه. في هذه المفارقة يعثر إينياريتو على إحدى أكثر حيل فيلمه خبثاً.
كروز يؤدي دور ديغر روكويل، ملياردير النفط الذي يعيش وسط الامتيازات والثروة والسلطة، ولا يبدو في البداية مختلفاً كثيراً عن الذين جعلوا من استغلال الأرض والضرر البيئي نموذجاً اقتصادياً. لكن العالم الذي صنع ثروته يخرج عن السيطرة. كارثة بيئية هائلة تهدّد الكوكب، وكتلة جليدية ضخمة تتجه إلى شمال أوروبا. في واشنطن، لا تبدو السلطة أكثر استعداداً لمواجهة المأزق من أولئك الذين أسهموا في خلقه.
الرئيس الأميركي (جون غودمان)، هو أكثر الشخصيات تعبيراً عن المواقف العبثية التي يصورها الفيلم بسخرية كارتونية (نسبة إلى أفلام الكارتون). الرئيس يحتضر، لا يملك أمام الكارثة سوى الخطابات والقرارات المرتجلة. في الشخصية أصداء واضحة من دونالد ترمب. لا سيما الاعتقاد بأن القوة يمكن أن تحل محل التفكير. حتى الآراء التي تقترح قصف الكتلة الجليدية تختصر منطقاً سياسياً يقوم على الفعل أولاً ثم البحث عن مبرراته.
إينياريتو لا يبني مواجهة تقليدية بين أبرياء ومذنبين. لا يوجد هنا معسكر أخلاقي نقي في مقابل معسكر شرير. الجميع تقريباً متورط، بدرجات مختلفة، في المنظومة نفسها. ولذلك فإن السؤال الذي سينشغل فيه الفيلم هو “مَن سيحصل على فرصة رواية قصة إنقاذ العالم؟”، بدلاً من الإشارة إلى مَن دمره. فبقدرة قادر، أن الذين كانوا المشكلة سيستطيعون، عندما تقع الكارثة، أن يقدموا أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحل. الذعر سيصبح سلعة، والمأساة ستتحول إلى مناسبة لصناعة الأبطال. يكفي أن تمتلك المال والنفوذ وفن الكلام حتى تتمكن من إعادة تعريف موقعك داخل الحكاية.
ديغر يفهم هذه اللعبة منذ البداية. فعندما يواجه الأوروبيين، لا يحاول الادعاء أنه بريء. يعرف تماماً أنه متورط، لكنه يعرف أيضاً أن اعترافه لا يعني شيئاً إذا كان يستطيع توزيع المسؤولية على الآخرين. الجميع، في نظره، له يد في الجريمة. وهكذا يصبح الاعتراف بالذنب أداة وسيلة لاستعادة النفوذ. في عالم كهذا، الحقيقة ليست مسألة ثابتة، بل يمكن تغييرها بتغيير طريقة عرضها.
لا يمنح الفيلم للمُشاهد أرضاً مستقرة يقف عليها، إذ إن كل شي قد يهتز في أي لحظة. المعلومة يمكن أن تفتح باباً لمعلومة أخرى، والمنعطف الذي تأخده الأحداث يعيد تفسير ما سبقه. هناك إحساس دائم بأننا أمام مسرحية تتغير ديكوراتها بينما يستمر اللاعبون في أداء أدوارهم. هذا البناء ليس جديداً على إينياريتو. فمنذ بداياته، أبدى اهتماماً ليس بالحكاية وحدها، وإنما بالطريقة التي تُبنى بها الحكاية وتُروى. غير أن “حفار” يدفع هذا الاهتمام إلى مزيد من المباشرة.
حضور توم كروز يسهم في بناء فيلم يستلهم الخيال، لا سيما السينما. فالممثل يحمل معه إلى الفيلم تاريخاً كاملاً من الشخصيات التي اعتاد الجمهور أن يثق بها. وإيثان هانت، بطل فيلم “مهمة مستحيلة”، هو النموذج البديهي. إينياريتو يأخذ هذه الأيقونة ويضعها في سياق مغاير. ديغر ليس إيثان هانت، لكنه يستفيد من الذاكرة التي صنعها كروز لدى الجمهور.
سبق لإينياريتو أن مارس لعبة مشابهة في “بردمان”، حين وضع مايكل كيتون، المرتبط في الذاكرة الشعبية بشخصية باتمان، في دور ممثل يحاول الإفلات من ظل الشخصية التي صنعت شهرته. في “حفّار”، يشتغل المخرج على الأسطورة نفسها ولكن بطريقة أكثر التواءً: يأخذ الرجل الذي صار مرادفاً للإنقاذ ويضعه داخل منظومة تحتاج إلى منقذ، فيما يكون المنقذ نفسه جزءاً من المشكلة.
إحدى أكثر لحظات الفيلم دلالةً هي تلك التي لا نرى فيها الكارثة مباشرةً، وإنما نرى انعكاسها على وجوه المسؤولين الأميركيين الذين يتابعون تطورها عبر الشاشة. إنه اختيار معاكس تماماً للسينما التي ارتبطت بكروز: الخطر عادةً مرئي جداً، لا بل يشكّل جزءاً من ثقافة الفرجة الهوليوودية، والجسد يواجهه. أما هنا، فيُحجب الحدث وتُترَك آثاره لترسم خوفاً وقلقاً على وجوه مَن ينتظرونه.
الفيلم طموح جداً، وقد يشكّل هذا الطموح نفسه مشكلة للفيلم، ذلك أن إينياريتو واعٍ جداً بما يفعله، وربما واعٍ أكثر مما ينبغي. الفيلم يبدو وكأنه يريد أن يقول للمُشاهد إنه مصنوع بمهارة، بدلاً من أن يترك المهارة تعمل في الخفاء. هناك ميل إلى الاستعراض الإخراجي وإلى دفع الفكرة حتى حافتها، وهو مأخذ يمكن أن يذكّر بما قيل عن سينمائيين آخرين، حين تصبح الأسلوبية أحياناً أكثر حضوراً من الشخصيات والأحداث.





