فريد شقير أول رسام عربي يدخل “متحف بيك” الفرنسي

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
فريد شقير أول رسام عربي يدخل “متحف بيك” الفرنسي

فريد شقير

هذا القلم البسيط والرخيص أضحى بين يديه وسيطاً تعبيرياً لإنتاج أعمال على خامات متنوعة، تقدم جماليات بصرية تتماهى مع الفنون الطباعية والديجيتال، على رغم ما يتطلبه هذا الأسلوب في الرسم من مشقة وطول نفس، وقدرة في التحكم والانضباط، فكل لوحة وليدة آلاف الخطوط والضربات المتكررة على مدى فترات طويلة من الوقت، لتصبح هذه الصور – المنفذة بدقة لونية لافتة – تجسيداً مرئياً للصبر.

“من مفارقات الزمن، أننا نعيش في كنفه من دون أن نتمكن يوماً من الإمساك به، ونعبره من دون القدرة على إيقافه. نقيسه غير أننا لا نستطيع امتلاكه أبداً” بهذه المقولة الحكيمة التي تختزل خلاصة رؤيته وتجاربه، يقدم فريد شقير معرضه المقام في غاليري “جاك عويس” بباريس تحت عنوان “ارسم لي بقلم بيك” (والمستمر حتى الـ31 من أكتوبر “تشرين الأول” الجاري)، ويشتمل على مجموعة كبيرة من الأعمال تتنوع ما بين الموضوعات التشخيصية والتجريد. يأتي هذا المعرض عقب انضمام لوحتين من سلسلته “العجلات اللونية” إلى المجموعة الدائمة لمتحف الفن المعاصر التابع لشركة “بيك” (Bic) في كليشي على أطراف باريس. ليكون شقير – وفقاً للمتحف – أول فنان يمثل لبنان ومنطقة الخليج العربي في هذه المجموعة المرموقة.

تتألف سلسلة العجلات اللونية من 28 عملاً تستكشف الأبعاد والاحتمالات المتنوعة للجمع بين لونين من ألوان أحبار “بيك” الثمانية المتاحة للفنان، إذ يولد تراكب الخطوط تدرجات لونية تعيد العين تشكيلها. وتتكون كل لوحة من شبكة مربعات متقاطعة هندسياً على امتداد متدرج في اللون، منها ما يوهم بالحركة القائمة على الخداع البصري من خلال التلاعب بأحجام المربعات بين الكبر والصغر، تعبيراً عن العمق كبعد ثالث وهمي. تشكل هذه التجارب امتداداً معاصراً للفن البصري (OP Art) الذي اقترن بأعمال فازاريللي، ذلك الفنان الحداثي الذي انتقل من دراسة طب العيون إلى الهندسة الرياضية لعالم الشكل واللون، لإيجاد علاقة حركة إيهامية بين الرسم وفعل الإبصار أثناء تنقل العين على سطح اللوحة.

ونجد هذا التلاعب البصري يتعمق أكثر في نتاج شقير عبر لوحة بالأسود والأبيض، تجسد دوامة من الدوائر المتداخلة التي تحدث زيغاً في النظر وتدفقاً أشبه بالمد والجزر على نسق تجارب بريجيت رايلي. وتزخر أعمال المعرض بتمثيلات كثيرة للتجريد اللوني بطابعه البصري المقلم عمودياً بألوان عدة (بوليكرومية) تذكر بأسلوب غيرهارد ريشتر وكينيث نولند، وكأن فريد شقير يعيد توليد إمكانات الفن البصري، بكل احتمالاته في حلة جديدة، مستخدماً أداة بسيطة غير معهودة.

تتناول أعمال فريد شقير تيمات عدة، من بينها فن البورتريه الذي يقترب أحياناً من الملامح الدقيقة للصورة الفوتوغرافية، إلى جانب المناظر الطبيعية. وتحضر المرأة كموديل معاصر، بحضورها ومفاتنها ضمن معالجة بصرية تحاكي لغة الإعلان والتصميم وفن الملصق (البوستر). غير أن أسلوبه في بناء اللوحة عبر خطوط وشرائط لونية حلزونية (شبيهة بتخطيطات الزيبرا)، يعيد الفكرة مجدداً إلى تقنية الرسام القائمة على بناء منجزه الفني عبر تقاطع آلاف الخطوط، إذ يقول في ذلك “إن كل سنتيمتر مربع من المساحة مشبعة بشظية من الوجود، يصبح هذا التكرار طريقة لامتلاك الوقت، ولترسيخ تدفق الساعات المنقضية بصرياً ومادياً.”

يقع مجمل هذا المنجز الفني عند نقطة التلاقي بين الرسم، والتصوير، والأنظمة البصرية، والبحث الإدراكي، إذ تتعايش فيه التشخيصية والتجريد بسلاسة وفطرة. فالجسد، والطبيعة، والهندسة، واللون لا تشكل موضوعات منفصلة، بل تتكامل لتصبح تجليات مختلفة لتساؤل محوري واحد: ماذا يحدث عندما يصبح الزمن نفسه مرئياً؟ وهنا يتضح أن موضوع هذا العمل الحقيقي ليس الجسد البشري، ولا الطبيعة، ولا حتى اللون، بل إن موضوعه الجوهري هو “الديمومة” أي الزمن المستغرق في الفعل الفني.

“يكشف عمله المونوغرافي عن هذا البحث الذي تحول فيه الحركة – من كثرة تكرارها – العاطفة إلى هيكل والسطح إلى فضاء داخلي”، كما جاء في نص الكاتبة هيام شقير ملاط (شقيقة الفنان) المرفق بكتيب المعرض، حين اعتبرت منجز شقيقها نقطة لقاء بين الشغف والإتقان، إذ إن التكوينات التي تبرز كثافة الخطوط وتقاطعاتها تنشئ تدرجات لونية تعيد العين تركيبها تلقائياً، وهكذا يشارك الناظر في ميلاد اللون، ليمتد العمل الفني ويتواصل في إدراك كل من يتأمل فيه مطولاً.

تأخذنا بعض لوحات البورتريه المرسومة بالأبيض والأسود إلى عالم “النقطة” (Dot) المستلهم من عناوين الإنترنت والبريد الإلكتروني، في استعارة بصرية تمثل لغة العصر، إذ يبني الفنان من ملايين النقاط المنضودة بجوار بعضها كحبات اللؤلؤ وجوهاً لنساء بلا هوية محددة، لا تبتغي سوى لفت الانتباه إلى أسلوبها في التكوين، كذلك تحضر المناظر الطبيعية في أعمال شقير التي جسد فيها غابات أشجار بألوان محدودة (غالباً بالأزرق والأخضر والأسود)، لكنها توحي بالامتلاء والنورانية المتمثلة ببياض القماش، وقد اقتنت بعض هذه الأعمال مؤسسات ثقافية ومجموعات خاصة، منها لوحة “كاتدرائية الأوراق” التي انضمت إلى مجموعة “جورج سالومون” الذي كتب عنها قائلاً: “يحول فريد شقير قلم الحبر الجاف العادي من ماركة (BIC) إلى لغة تعبيرية قوامها اللون، والشاعرية، والوقت”.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!