بغداد – العالم
تعيش الساحة السياسية في العراق على وقع جدل متصاعد بعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، الثلاثاء 19 آب 2025، عن استبعاد 542 مرشحاً من خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر، لأسباب تتعلق بالمساءلة والعدالة، وملفات قضائية وإدارية، ومخالفات قانونية مختلفة.
القرار أثار عاصفة من التساؤلات حول دوافعه وخلفياته، وما إذا كان يعكس إرادة حقيقية في فرض النزاهة والالتزام بالقانون، أم أنه يأتي ضمن إطار صراعات سياسية وانتقائية في تطبيق القوانين.
وأشار جميل إلى أن القرارات لا تُعتبر نهائية، إذ يحق للمرشحين والأحزاب الطعن أمام الهيئة القضائية خلال ثلاثة أيام من التبليغ، مؤكداً أن المفوضية "جهة حيادية" لا تتدخل في نتائج الطعون أو قرارات القضاء.
من جانبه، أوضح عضو اللجنة القانونية في البرلمان، النائب رائد المالكي، أن الارتفاع الكبير في أعداد المستبعدين يعود لسببين رئيسيين: الأول: التطبيق الصارم لقانون الانتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل، الذي يطبّق لأول مرة، ويتضمن مادة واضحة باستبعاد مرتكبي الجرائم المخلة بالشرف، والفساد المالي والإداري، والجرائم التي تسيء إلى السمعة. والثاني: تفعيل أحكام قانون المساءلة والعدالة بعد سنوات من التساهل، ما أدى إلى شمول أعداد كبيرة من المرشحين.
وأكد المالكي أن هذه الإجراءات تأتي لضمان نزاهة العملية الانتخابية، حتى وإن أثارت استياء بعض القوى السياسية.
غير أن محللين وناشطين أبدوا شكوكهم في حيادية هذه القرارات. الباحث بالشأن السياسي سيف السعدي اعتبر أن "المشهد يعكس انتقالاً خطيراً من قوانين العدالة الانتقالية إلى العدالة الانتقائية"، مشيراً إلى أن تطبيق القوانين بشكل غير متوازن يمثل خرقاً للمادة 14 من الدستور التي تساوي بين العراقيين أمام القانون.
وقال السعدي: "استبعاد ما يزيد على 400 مرشح يثير تساؤلات جدية، خصوصاً أن المنهاج الحكومي نصّ بوضوح على حل هيئة المساءلة والعدالة، لكننا اليوم نشهد دوراً متعاظماً لها". وأوضح أن الحل المقترح للهيئة لا يعني إلغاء الإجراءات، بل نقل الملفات إلى الدائرة القانونية في مجلس الوزراء والادعاء العام، مع ضمان حق الاعتراض أمام القضاء.
المتحدثة باسم المفوضية جمانة الغلاي شددت في تصريحات سابقة على أن المفوضية تستند حصراً إلى تقارير الجهات الرسمية المختصة، مثل وزارات التربية والتعليم والداخلية والدفاع، والأجهزة الأمنية والقضائية، مؤكدة أن "جميع قرارات الاستبعاد قابلة للطعن أمام الهيئة القضائية للانتخابات، وقراراتها باتة وملزمة".
لكن مراقبين يحذرون من أن حجم المستبعدين قد ينعكس على خريطة التنافس الانتخابي، خاصة إذا شمل شخصيات سياسية بارزة ونواباً سابقين. السياسي المستقل مهند الراوي حذر من "خطورة الصراع السياسي المقبل إذا لم تُدار القرارات بحيادية"، مشيراً إلى أن المفوضية "أمام اختبار صعب لضمان نزاهة الانتخابات ومنع أي ضغوط أو تدخلات سياسية".
وبينما تستعد البلاد لانتخابات مؤجلة أكثر من مرة منذ عام 2023، يجد العراقيون أنفسهم أمام مشهد انتخابي معقد، يتأرجح بين الرغبة في إصلاح العملية السياسية وتكريس ممارسات قديمة من الإقصاء والتنازع السياسي.
ويرى مراقبون أن استبعاد هذا العدد الكبير من المرشحين يعكس أزمة ثقة أعمق بين المواطن والعملية الانتخابية، إذ يخشى كثيرون من أن تتحول قرارات الاستبعاد إلى أداة لإعادة إنتاج القوى التقليدية، بدل أن تكون مدخلاً لإصلاح النظام السياسي وترسيخ العدالة.