في احدى الفضائيات الشيعية المعروفة قدم احد المتحدثين دلائل على امكانية وقوع انقلاب عسكري في العراق. كان اهم هذه الدلائل ان قادة فرق الجيش من اصول بعثية! وهذا دليل مفزع حقا، ولكن ليس على امكانية الانقلاب العسكري، بل على اشياء مدعاة للفزع اكثر من الانقلاب العسكري نفسه.
اول المعاني المفزعة هو فقدان ثقة المتحدث وقسم كبير او صغير من الجهات التي يمثلها بقادة الجيش.
ثاني المعاني هو صدور المتحدث عن نظرة التجريم للمؤسسات التي فرض عليها عراق صدام نظام التبعيث الاجباري وفي مقدمتها القوات الأمنية.
ثالث المعاني هو تعميق الهوة، او الحساسية، بين عراقيي الخارج وعراقيي الداخل، فالمتحدث من الفئة الاولى، شعب الله المختار الذي لم يتعرض لاختبارات شعب الله المبتلى. وأقل ما يمكن لعراقي من الداخل ان يقوله حين يستمع الى هذا البطران هو «يردس حيل الما ضايكها والضايكها يكول التوبة»!
رابعها هو الفوضى الاعلامية التي تسمح بكلام من هذا النوع اقل ما يقال فيه انه كلام لامسؤول بالمرة.
خامسها هو تعميق شعور الناس بفقدان الأمان بسبب ما ينطوي عليه الكلام من التعبير عن شكوك وصراعات بين الساسة وبين العسكر.
سادسها التلميح الى عجز العملية السياسية عن إنتاج قوة أمنية تكون موضع ثقتها وثقة الشعب.
سابعها تحويل الصراع الاساسي مع الارهاب الى صراعات جانبية بين الساسة والعساكر.
ثامنها اضعاف معنويات الجيش والقوات الامنية عموما واستنفاد جزء من جهدها في الدفاع عن النفس.
وتاسع هذه المعاني المفزعة صرف اهتمام الناس والساسة عن الاشياء الجوهرية من مكافحة الفساد والارهاب وتعزيز الخدمات والاستقرار والتنمية الى اشياء زائفة، لا اساس ولا قيمة لها.
كل هذه المعاني المفزعة نتاج وهم يراد منه الكسب الانتخابي. ولا اعرف اي مغفل هذا الذي يهرع راكضا الى صندوق الاقتراع في فزعة عرب لانقاذ الخائفين من الانقلاب العسكري البعثي المزعوم.
يا سادة حرام عليكم. خففوا على الناس. عمليا هذا مستحيل. وفوق ذلك منحتم نعمة تحسدون عليها. وهي ذات النعمة التي طار بسببها صدام. والأخير طار لأنه احتل الكويت وهذه، مع كل دول الخليج، تعتبر منطقة مصالح حيوية اميركية، وفق « مبدأ كارتر»، الذي شرع استخدام القوة العسكرية ضد التهديدات الخارجية لدول الخليج.
وهذه العملية السياسية العراقية محمية اميركية اخرى وفق الاتفاقية الامنية الموقعة بين واشنطن وبغداد، وهي تنص في مادتها ال 27 على حماية النظام العراقي الديمقراطي ومؤسساته المنتخبة، وبناء على طلب من حكومة العراق، من أي خطر خارجي أو داخلي.
لقد مضى صدام حتى الشوط الأخير في صناعة الاعداء، في الداخل كرد وافيلية وشيوعية ودعوجية وشروكية، وفي الخارج عرب وعجم وروم، حتى انتهى مداسا للجميع. والحكمة الوحيدة التي يمكن شراؤها من تجربته هي أن وهم العدو صناعة حربية خاسرة ومهزومة.
يا لجحيم فقدان الثقة! يا لبؤس النجاح يصنع من ترويع الناس!