في احدى حلقات مسلسل ”طاش ما طاش“ يدوخ البطلان في كيفية اطلاق فضائية رابحة. جربوا الاقتصاد ففشلوا. وداروا على المسابقات فحصدوا خيبة. وتقلبوا يمينا وشمالا وظلت النتيجة نفسها. ثم ”اهتدوا“ الى اطلاق قناة دينية فكان حسن الختام ربحا حلالا ونعمة وفيرة.
كانت هذه هي الحلقة الوحيدة التي شهدتها من ذلك المسلسل السعودي ذائع الصيت. ولأمر ما ذكرني بمسلسل (تحت موس الحلاق). وهو اساس رائع لبناء كوميدي عملاق لو كان العراق بلدا طبيعيا وهادئا. كان بالإمكان البناء عليه والاستمرار في انتاج مبدع حتى يتكلم العرب جميعا ”بالعراقي“، كما يفعلون مع اللهجات المصرية واللبنانية والسورية، والسعودية هذه الايام مع اعمال مثل ”طاش ما طاش“.
غير ان ما حدث هو ان المرحوم سليم البصري وزملاءه وقفوا ومشت البلاد من حرب الى حرب. وظل ”تحت موس الحلاق“ مثل بيضة الديك. في حين ان بلدا، ما زال للمتشددين يد فيه تمنع المسرح والسينما، صار منتجا لاعمال كوميدية تشاهد من طنجة الى مضيق باب المندب. وقد بلغت بهذه الاعمال الجرأة حد نقد التجارة بالدين، كما في الحلقة التي بدأت بها هذا الحديث.
ولابد ان هذه الجرأة تمثل الصراع الموجود في السعودية بين التيار الحديث وبين التيار السلفي. وهذا بلد مقيد من رأسه الى اخمص قدميه بقيد المذهب الوهابي المتشدد. وقد احسن عبد العزيز ال سعود استغلال ذلك المذهب لبناء دولة. وكل دولة تحتاج الى قوة عضلية واخرى فكرية. الاولى ممثلة بالقوات الامنية. والاخرى بعقيدة او فكرة سياسية، او ”ايديولوجيا“.
ابن سعود جعل من الوهابية الغطاء الايديولوجي للدولة. ولكن بعد ان بنيت الدولة واستقرت وتطورت دخلت تيارات العصر الحديث وصناعاته البلاد. وبدأ هذا الصراع الذي لم ينته فصولا بعد في السعودية بين الحداثة والتقليد. فالوهابية لم تعد الثوب المناسب لدولة مؤثرة اقليميا وعالميا في السياسة والاقتصاد. كما ان هذا الثوب يضيق على الاجيال الجديدة التي تلقت التعليم الحديث في ارقى معاهد العلم الغربية، واكتسبت خبرات في مهن جديدة متطورة.
والدولة تحاول تدجين السلفية ورعاية الحداثة، والتوفيق بينهما، وضبط الانفجارات، فتنجح وتخفق. ولعل ولادة ”القاعدة“ من الرمال السعودية تمثل احد اخفاقاتها الكبرى في هذه المحاولة شبه المستحيلة. فبينما تمحض الدولة رعاية لمجموعة ”طاش ما طاش“ واضرابها في مختلف التعبيرات الاخرى، فانها تستجيب من جهة اخرى للضغوط السلفية في منع المسرح وحظر دور العرض السينمائية.
والملاحظة التي سجلها المسلسل عن القناة الدينية لا تخص الفضاء السعودي وحده وانما امتدت الى الفضاء العربي بالجملة ومنه العراق. فعندنا اليوم فضائيات ”دينية“ تتناسل لقوى ”اسلام سياسي“ تأتي من خارج البلد. وبعضها قوى لبنانية!
وهذه من مفارقات الدهر: بلد فقير اقتصاديا مثل لبنان لديه قوى سياسية غنية تفتح فضائيات في ”البلد الفقير“ الذي صاره العراق. وبالطبع فان هذه القنوات ايديولوجية مسخرة لخدمة الوان معينة من الاسلام السياسي. وامل هذه القنوات هو تنمية موجة كوادر وطاقات وازياء وجماهير عراقية في اطار الفكرة السياسية ـ الدينية للممول.
والعراق في وضع يسمح بمثل هذه التجارب. الفقر وضعف الدولة وتراجع الفكرة الوطنية اسباب ولدت نقص المناعة. هذا لا يمكن ان يحدث، مثلا، في مصر. المناعة الوطنية هناك تعمل في اقصى طاقتها. هناك ”الأمن القومي“ خط احمر. وهنا علينا عمل الكثير لسد نقص المناعة المكتسبة. ونحن بانتظار حلقة سخرية من مثل هذه القنوات في حلقة من ”نجوم الظهر“ لسعد خليفة وزملائه. أي على خط طاش ما طاش باعتبار صرنا سعودية أو إيرانية: عندنا سلفية وعندنا حداثة. وأمننا القومي سيتمزق بينهما..و”عدكم درج عدنا درج.. نصعد ومن الله الفرج“ !