بغداد - العالم
أعلن فريق بحثي عراقي – بريطاني، عن اكتشاف أثري عسكري نادر في بادية النجف الأشرف، يُرجَّح أنه يرتبط مباشرة بأحداث معركة القادسية سنة 15 للهجرة (636–637 م)، في منطقة تقع بين محافظتي النجف والديوانية، وتُعدّ من أهم الأشرطة الجغرافية التي دارت فيها عمليات الفتح الإسلامي ضد الدولة الساسانية.
وقالت رئيسة البعثة البريطانية من جامعة دورهام، كريستين هوبر، إن "الفريق البحثي المشترك مع جامعتي القادسية والكوفة نجح، عبر استخدام أساليب متطورة، في الكشف عن موقع يعود لمعركة القادسية سنة 15 للهجرة"، مؤكدة أن المنطقة "تحتفظ بآثار مهمة مرتبطة بتاريخ العراق والفتح الإسلامي، ولم تحظَ حتى الآن إلا بأعمال مسح محدودة جداً مقارنة بأهميتها التاريخية". ويوضح باحثون مشاركون في المشروع أن التقنيات المستخدمة لا تقتصر على المسوحات الميدانية التقليدية، بل تشمل تحليل صور الأقمار الصناعية، وتقنيات الاستشعار عن بُعد، ونظم المعلومات الجغرافية، إلى جانب قراءة صور فضائية سرِّبت من برامج تجسّس أميركية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، والتي ساعدت خلال السنوات الماضية في تضييق نطاق البحث عن مسرح معركة القادسية وتحديد سلاسل التحصينات والخنادق القديمة في السهل الفاصل بين النجف ومحافظة القادسية.
من جانبه، أكد عميد كلية الآثار في جامعة الكوفة، حميد الياسري، أن "الموقع المكتشف يضم حصناً وجدراناً واضحة المعالم، ما يشير إلى أنه موقع عسكري استخدم في معركة القادسية بين مدينتي النجف الأشرف والديوانية"، مرجّحاً أن يكون بمثابة معسكر أو نقطة تحشّد للقوات، مع إمكانية الكشف عن منشآت مرافقة مثل أبراج مراقبة أو خنادق دفاعية مع تقدم أعمال التنقيب. وأشار الياسري إلى أن "الفريق الدولي أسهم في تدريب الكوادر العراقية على طرق الكشف الحديثة، وهو ما يعزز قدرات الباحثين في التنقيب المستقبلي وإدارة المواقع الأثرية الكبيرة المفتوحة".
بدوره، أوضح مدير مفتشية آثار النجف الأشرف، محمد الميالي، أن "النجف تضم أكثر من 200 موقع أثري مسجَّل رسمياً، إلا أن ما جرى التنقيب عنه لا يتجاوز 5% فقط"، مبيناً أن الاكتشاف الجديد "يعيد تسليط الضوء على الإمكانات الأثرية للمنطقة، ويفتح الباب أمام مشاريع أوسع للتنقيب والمسح الشامل بالتعاون مع جامعات ومؤسسات بحثية دولية". ودعا الميالي إلى "توفير تمويل مستدام وخطط طويلة الأمد لحماية المواقع من الزحف العمراني والتجاوزات، وتحويلها مستقبلاً إلى فضاءات بحثية وسياحية منظَّمة".
ويرتبط الاكتشاف الحالي بسلسلة من الأبحاث المشتركة بين جامعتي القادسية ودورهام البريطانية، كانت قد أعلنت عام 2024 عن تحديد الموقع المرجَّح لساحة معركة القادسية، استناداً إلى خرائط تاريخية ومسوح جوية ورقمية، ونُشرت نتائجها الأولية في دوريات علمية متخصصة، بعد توثيق بقايا قلاع وحصون وخنادق عسكرية في المنطقة ذاتها. ويُتوقَّع أن تُدمَج المعطيات الجديدة من موقع النجف ضمن دراسات أوسع تعيد قراءة مشهد الفتح الإسلامي في العراق من زاوية أثرية – مكانية دقيقة، لا تقتصر على الروايات التاريخية النصية. ويعدّ كثير من المؤرخين معركة القادسية واحدة من المعارك الحاسمة التي غيّرت موازين القوى في المنطقة.