د. ناجي الفتلاوي
آثرت على نفسي في هذا الشهر الفضيل ان أقوم بمتابعة بعض الاحداث الإسلامية الكبيرة في تاريخنا الاسلامي وايجاد مقاربة لها مع ما يجري في راهن عصرنا، ومن أهم الأحداث التي وقفت عندها هي واقعة أحد التي نشبت في السنة الثالثة للهجرة ،حيث وجدت سقفا واسعا من الاشتراك في كثير من عناصرها(الدواقع،الاسباب،الاهداف،التوجهات،المألات،النتائج) وبين ما يجري على الساحة اليوم،في التحليل السياسي العميق لا تُقرأ الوقائع بوصفها أحداثاً معزولة بل كسياقاتٍ ممتدة تتكرّر فيها الأنماط وتتبدّل الأدوات، هكذا كان يفعل هنري كيسنجر حين يربط بين توازنات القوة عبر القرون وهكذا كتب محمد حسنين هيكل التاريخ باعتباره حاضراً يتخفّى في الماضي، ومن هذا المنظار يمكن قراءة المقاربة بين أبي سفيان بن حرب في واقعة غزوة أحد وبنيامين نتنياهو في إدارة حروبه المعاصرة بوصفها مقارنة بين منهجين في إدارة الصراع: (استهداف الروح قبل الجسد والوعي قبل الميدان) في القراءة السطحية تُقدَّم أُحد كهزيمة غير أن القراءة الاستراتيجية تقول إن المسلمين لم يُهزموا وجودياً؛ الدولة بقيت والقيادة بقيت والمشروع بقي، الذي تبدّل كان ميزان الأدوات(بالإمكان الرجوع إلى معرفة تفاصيل واقعة حمراء الأسد ((نسبةً إلى موضعٍ يقع على مسافة نحو 8 أميال جنوب المدينة المنورة، وهو وادٍ تُعرف تربته بلونها المائل إلى الحُمرة))التي وقعت بعد ساعات من رجوع المسلمين الى المدينة لاعادة تنظيم صفوفهم) في بدر كان الحسم عسكرياً مباشراً أما في أُحد فقد دخل العامل النفسي والخلل الداخلي والطابور الخامس إلى قلب المعركة، المشهد ذاته يتكرر اليوم فالمقاومة لم تُمحَ رغم التفوق العسكري الساحق للتحالف الصهيوامريكي، لكن المعركة انتقلت إلى مجال آخر: تزييف الوعي وتفكيك الثقة واستنزاف القدرة على الصبر ، لقد ادار أبو سفيان المعركة باعتبارها حرب إرادة،فهو مهزوم في بدر وموقعه التجاري مهدد حيث كان يدرك أن كسر المعنويات قد يسبق كسر الصفوف وأن إشاعة خبرٍ أو صيحةً في لحظة حرجة قد تقلب ميزاناً كاملاً، الحرب النفسية يومها كانت تعتمد الشائعة والرمز والخطاب القبلي،اما اليوم يمارس نتنياهو حرباً نفسية أكثر تعقيداً تُدار عبر الإعلام العالمي والمنصات الرقمية وتقنيات الصورة فهي تُضخَّم الخسائر ويُعاد إنتاج سردية “الردع” ويُراد للمشهد الدموي أن يتحول إلى رسالة ردع نفسي لا إلى حدث عابر ، فالأدوات تغيّرت لكن المنهج واحد مفاده زلزلة الثقة قبل إسقاط السلاح ، في أُحد لعب عبد الله بن أبي بن سلول دوراً مفصلياً حين انسحب بثلث الجيش مُحدثاً صدعاً معنوياً خطيراً كما مثّل أبو عامر الراهب نموذجاً لتوظيف المكانة الاجتماعية والدينية لإرباك الداخل الإسلامي و لم يكن الخطر خارجياً فقط بل كان يتغذّى من الداخل واليوم لا يظهر الطابور الخامس في صورة رجلٍ واحد، بل في شبكات إعلامية وسياسية وثقافية عابرة للحدود تُعيد تعريف الصراع وتُفرغه من معناه التحرري وتدفع الجمهور إلى موقع المتفرج المنهك ، إنها محاولة لتفكيك الجبهة الداخلية قبل حسم الجبهة الأمامية، لقد أراد أبو سفيان أن يزرع في المدينة شعوراً بأن المشروع النبوي آيل إلى السقوط وأن القيادة لم تعد قادرة على الحماية ، فالهدف لم يكن فقط كسب معركة بل خلق وعي اجتماعي مزيف يبتعد عن مركزه الروحي والسياسي ،الاستراتيجية ذاتها تُمارَس اليوم عبر فيض المعلومات وتكثيف الصور واستثمار الانقسامات الطائفية والفكرية لإنتاج حالة من الشك العام: هل المقاومة عبء؟ هل الصمود مجدٍ؟ هل يمكن إعادة تعريف الكرامة بوصفها مغامرة خاسرة؟ حين يتحول السؤال إلى شكٍّ وجودي تكون الحرب النفسية قد بلغت ذروتها ، كما أن استهداف الرموز في أُحد كان واضحاً؛ استشهاد حمزة بن عبد المطلب لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب بل محاولة لضرب المعنى في عمقه، كانت الفكرة أن سقوط الرمز يربك الصف ويُضعف الإرادة، واليوم تتكرر سياسة الاغتيالات بحق القيادات المؤثرة ومنهم حسن نصر الله في محاولة لقطع رأس المشروع أملاً في تفكيك جسده ، إنها قناعة قديمة متجددة بأن الرمز هو عمود الخيمة وأن ضربه يسبق انهيارها ، غير أن درس أُحد يكمن في أن الانكسار التكتيكي لا يعني السقوط الاستراتيجي فبعد أُحد لم تنتهِ الدولة ولم يتفكك المشروع، بل أعاد ترتيب أوراقه واستعاد زمام المبادرة ،القراءة الواعية تقول إن موازين القوى تُقاس بالقدرة على التحمل وإعادة التموضع لا بلحظة تفوق عابر والقراءة الموثوقة تُذكّر بأن التاريخ لا يتحرك في خط مستقيم، بل في موجات صعود وهبوط وأن اللحظة التي تبدو نهاية قد تكون بداية طورٍ آخر ، وحدة الأسلوب بين أبي سفيان ونتنياهو لا تكمن في تشابه الأشخاص بقدر ما تكمن في تشابه الفلسفة: استهداف الداخل و صناعة وعي موازٍ مع استخدام الحرب النفسية وتحويل الاغتيال إلى أداة سياسية لكن التاريخ نفسه يقدّم الوجه الآخر للمعادلة: حين تصمد الفكرة وتتماسك الجبهة الداخلية يتحول الاستنزاف إلى خبرة ويتحوّل الألم إلى طاقة إعادة تشكّل، أُحد لم تكن إعلان هزيمة بل كانت درساً ذهبيا في إدارة الصراع درساً يتكرر اليوم بأسماء جديدة وأدوات أكثر حداثة بينما يبقى جوهر المعركة واحداً: من ينتصر في الميدان أخيراً؟