لا اعرف حزبا محظوظا مثل حزب البعث. في 1959 لم يكن عدده يزيد على العشرات. وكانت الشيوعية موجة الزمان. وخرج المد الاحمر بشعار « الما يصفق عفلقي»، اي ان من لا يصفق للثورة وعبد الكريم قاسم فهو بعثي مشبوه. وبذلك الشعار اتسع البعث ليشمل كل من له رأي نقدي او موقف نقدي او عدائي من الشيوعية والحكم.
ووقع الشيوعيون في نفس غلطة الحكم الملكي. ففي العقدين الاخيرين من العهد الملكي كان كل معارض يرمى ايضا بتهمة الشيوعية. واتسعت الشيوعية حتى اصبح لها في العراق احد اقوى الاحزاب في المنطقة.
غلطة العهد الملكي ارست نفوذا هائلا للشيوعية مدة عامين على الاقل من عمر ثورة قاسم. وغلطة الشيوعية مع البعث ادت الى تقوية الاخير لدرجة تمكن معها من قيادة انقلاب 8 شباط 1963.
ولم يتعلم البعث لا من غلطة العهد الملكي ولا من الغلطة الشيوعية، فهاج على الشيوعية والاكراد في موجة من العنف الجنوني، اضطرت الجيش الى الاطاحة به فتنفس العراق. ولولا تدارك الجيش الوضع لما كان الأمر يتوقف عند العنف الداخلي وحسب. في محادثات الوحدة الثلاثية طرح قادة الحكم البعثي الاول على عبد الناصر مشروع ضم الكويت الى العراق. فاستفز عبد الناصر اكبر استفزاز: كله الا ده. وروى لهم كيف انه اراد بعد حرب 1956 وعودة العلاقات مع المملكة المتحدة فتح اربع قنصليات في اقاليمها الاربعة فاستجابت مرحبة، ولكنه عندما طلب خامسة في الكويت اهتزت بريطانيا وسوفت وأجلت الطلب. مجرد قنصلية يا جماعة وانتم تريدون الضم !
وعاد البعث الى الحكم مرة ثانية وما كان قد تعلم من اخطائه ولا من اخطاء غيره. مكيافيلي، غاليلو علم السياسة، يقول ان تثبيت السلطة او البناء الاول للدولة قد يقتضي التنظيم ”الجيد“ للفظائع. فاذا استقر النظام وسادت الطاعة يبدأ الامير الحكيم بتغيير السياسة من القسوة الى الرحمة، ويلتفت الى الإعمار وزيادة منافع الشعب. فاذا لم ينقلب الى هذا الاتجاه، وظلت فظائعه تزيد ولا تنقص، فقد صنع حتفه بيديه.
وكانت فظائع البعث تزيد ولا تنقص. لقد مرد الجميع حتى نفسه. وسيرة مرد الاحزاب الشمولية (التوتاليتارية) للشعب ولنفسها مكرورة معادة: الحزب يمثل الشعب، القيادة القطرية تمثل الحزب، وامين السر يمثل القيادة القطرية. وهكذا لا يبقى شعب ولا حزب ولا قيادة قطرية، بل زعيم أوحد لا يمثل الا نفسه وأهواءه، الرب وعبيده.
وفي 9 نيسان 2003 كان البعث ومالكه الوحيد قد اصبح جثة هامدة. لكن الغلطة التي كررتها العهود استمرت في العراق الجديد، لا بل انه بدأ بها مع اول امر اصدره الحاكم المدني الاميركي بول بريمر، وهو ما عرف باجتثاث البعث. والغلطة عراقية قبل ان تكون اميركية، ذلك ان الاجتثاث فكرة عراقية تبناها البنتاغون.
شكل الاجتثاث اعادة احياء وتنمية للبعث. فالقمع يأتي بنتائج عكسية دائما. لم تنجح فكرة سياسية بالقمع. ولا ماتت فكرة سياسية بالقمع. كان على « العراق الجديد» ان يبدأ عهده بالقانون، وكان على القانون ان يكون فوق الجميع، وننتهي من سيرة سياسة تحاكم سياسة. ومثل هذه السياسة انتقام افظع من الجريمة. فاذا كانت الجريمة انتهاكا للقانون فان الانتقام الغاء للقانون على حد تعبير احد المفكرين. ايران، بعد الاجتثاث، ضربة حظ اخرى للبعث. فالخوف العربي من سقوط التفاحة العراقية في الحضن الايرانية، تضمن نوعا من اعادة الاعتبار للبعث العراقي بوصفه خط دفاع عن عروبة العراق. ان اسباب حظ البعث كثيرة وكلها من سوء حظ العراق الذي يتقلى بين ”عملية حربية“ عديمة الضمير و”عملية سياسية“ عديمة الحكمة.