بغداد ـ العالم
في مدينة بعقوبة، حيث تتزاحم المقاهي التقليدية بروادها، برز مقهى مختلف يحمل روح الفن أكثر مما يحمل ضجيج الجلسات المعتادة. فمقهى “فنسنت” في منطقة نهر الحجية لم يعد مجرد مكان لاحتساء القهوة، بل تحول إلى مساحة ثقافية تجمع الفنانين والطلبة والهواة، وتتيح للزائر فرصة التعبير عن نفسه عبر الرسم والحياكة وأشكال أخرى من الفنون، في تجربة فنية ونفسية فريدة.
وسط أجواء هادئة في منطقة نهر الحجية بمدينة بعقوبة، أخذ مقهى “فنسنت” مكانته كواحد من أبرز المبادرات الثقافية الصغيرة التي تسعى إلى نشر الفن وإتاحة مساحات للإبداع، بعيداً عن الأجواء التقليدية للمقاهي.
المقهى الذي يحمل اسم الفنان العالمي فنسنت فان كوخ، لم يكن في بدايته سوى فكرة بسيطة تمثلت بمكتبة صغيرة تحمل اسم “عالم فنسينت”. ومع مرور الوقت تطورت الفكرة لتتحول إلى مقهى فني يجمع بين القهوة والأنشطة الثقافية والفنية، ليصبح ملتقى للفنانين والهواة وطلبة الفنون.
صاحب المكان أحمد غانم، يقول إن فكرة المشروع جاءت من شغفه بالفن وتأثره بتجربة الفنان الهولندي فنسنت فان كوخ، الذي اشتهر بأسلوبه الفني المميز وقدرته على التعبير عن المشاعر عبر الألوان. ومن هنا أراد غانم أن يخلق مساحة تسمح للآخرين بالتعبير عن أنفسهم بطريقة مشابهة.
ويضيف أن المقهى لا يقتصر على تقديم المشروبات، بل يضم ركناً مخصصاً لتعلم الفنون المختلفة، مثل الرسم على اللوحات وتزيين الفخار والحياكة والخياطة، إضافة إلى تنظيم ورش تعليمية يشرف عليها عدد من أساتذة كلية الفنون الجميلة في جامعة ديالى.
ويوضح أن المكان بات يشكل ملاذاً هادئاً للفنانين والهواة على حد سواء، حيث يمكن للزائر أن يحتسي فنجان قهوته بينما ينشغل بالرسم أو التعلم أو حتى مجرد مشاهدة الآخرين وهم يبدعون أعمالهم الفنية.
ويشير غانم إلى أن النشاط الفني في المقهى لا يتوقف في شهر رمضان أو في بقية أشهر السنة، إذ يستمر تنظيم الورش والدروس التعليمية للموهوبين، كما يقصد المكان عدد من طلبة الفنون الجميلة لإكمال مشاريع التخرج الخاصة بهم.
ولا يقتصر حضور المقهى على الفنانين المحترفين فقط، بل يجذب أيضاً هواة الرسم من مختلف الأعمار، خاصة الفتيات اللواتي يجدن في المكان مساحة آمنة ومريحة للتعلم والتجربة.
غفران مظهر، وهي إحدى زائرات المقهى، تقول إن المكان يمثل تجربة مختلفة في بعقوبة، إذ يجمع البنات من مختلف الأعمار، سواء المراهقات أو الأكبر سناً، في أجواء فنية هادئة تشجع على الإبداع وتبادل الخبرات.
وتضيف أن المقهى يعد الأول من نوعه في المحافظة، كونه يخصص مساحة حقيقية للفنانين والهواة للتلاقي وتبادل الثقافات الفنية، وهو ما يمنح المدينة بعداً ثقافياً جديداً.
أما شمس أحمد، وهي هاوية رسم، فتقول إنها تحرص على زيارة المقهى كل يوم جمعة تقريباً، حيث تقضي وقتها في الرسم على الفخار، وهو الفن الذي تفضله.
وتوضح أن ممارسة الرسم تساعدها على تحسين حالتها النفسية وكسر روتين الحياة اليومية، مشيرة إلى أن الأجواء الهادئة في المكان تمنحها تركيزاً أكبر وفرصة للاستمتاع بالفن.
وبينما تتزايد المبادرات الثقافية الصغيرة في المدن العراقية، يبدو مقهى “فنسنت” مثالاً على قدرة الأفكار البسيطة على خلق فضاءات فنية جديدة، تمنح الشباب والفنانين فرصة للتعبير عن أنفسهم، وتعيد للفن حضوره في الحياة اليومية بعيداً عن القاعات الرسمية.
وفي مدينة مثل بعقوبة، التي تبحث عن مساحات ثقافية جديدة، أصبح هذا المقهى محطة صغيرة للفن والهدوء، حيث يلتقي فنجان القهوة مع الألوان والخيوط واللوحات، في تجربة تجمع بين الاسترخاء والإبداع.