رواية "الدكتور غارين" الروسية الغرائبية تستعين برمز السندباد
13-أيار-2024

سلمان زين الدين
تجري أحداث رواية "الدكتور غارين" الروسية في المستقبل، في عالم ما بعد نهاية العالم، وتحديداً في روسيا المقسّمة إلى أجزاء متناحرة. وتتمحور الرواية حول شخصية الطبيب النفسي الدكتور غارين، وتدور في فضاء غرائبي، يغلب فيه المتخيّل على الحقيقي، ويحفل بالغرائب والعجائب، سواءٌ على مستوى الشخوص أو الأماكن أو الوقائع الروائية.
يشغل فلاديمير سوروكين موقعاً مهمّاً على خريطة الأدب في روسيا، ما بعد المرحلة السوفياتية، فهو اليوم أحد أهمّ كتّاب الرواية والمسرح والسيناريو، وأحد ممثّلي فنّ ما بعد الحداثة في الأدب الروسي. وهو موقع راكمه من خلال إحدى عشرة رواية، إحدى عشرة مسرحية، ستّة سيناريوات، وعدد كبير من القصص والقصص القصيرة. وترتّبت عليه حصوله على العديد من الجوائز الأدبية في روسيا وأوروبا، وترشيحه إلى جائزة البوكر الدولية مرّات عدّة ، وترجمة أعماله إلى العديد من اللغات. وقد أثارت أعماله الجدل في روسيا، وقاده بعضها إلى قاعة المحكمة، وانقسم النقّاد والقرّاء بين معجب بها ومنكر لها. ومنها رواية " الدكتور غارين" التي يعتبرها البعض "من أهمّ نتاجات ما بعد الحداثة في روسيا والعالم"، الصادرة بالروسية في العام 2021، وبالترجمة العربية في العام 2024، عن دار الرافدين، بتعريب تحسين رزاق عزيز.
يأخذنا سوروكين في رواية "الدكتور غارين"، في رحلة روائية طويلة، تمتدّ على مسافة 680 صفحة، وتتوقّف عند سبع محطّات، هي فصول الرواية. ويصطحبنا في سرد مجّاني، تشكّل الغرائبية مهمازاً له، وتحفيزاً للقارئ على متابعة القراءة. وكثيراً ما يكون السرد غاية بذاته لا وسيلة للكشف والتعرية والبيان، مما يُغلّب متعة القراءة على الفائدة منها.
قبل الخوض في مجريات الأحداث، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الرواية تُحيل إلى "ألف ليلة وليلة"، بعالمها المتخيّل الغرائبي، وأحداثها الخارقة، وشخوصها الغريبة، وإلى أنّ الشخصية المحورية فيها تتقاطع مع شخصية السندباد البحري في خمسة نقاطٍ على الأقل. الأولى تكمن في الرحلات السبع التي يقوم بها كلٌّ منهما، الثانية تتمثّل في السير على ظهر الحوت، الثالثة تتعلّق بالطيران مع اختلاف الوسيلة، والرابعة ترتبط بخوض كلٍّ منهما مجموعة من المغامرات، والخامسة تتصل بخروج كلٍّ منهما سالماً من مغامراته. وهنا، نقع مرّة جديدة على التأثير المتمادي لـ"ألف ليلة وليلة" في الآداب العالمية، ومنها الأدب الروسي.
الدكتور غارين هو سندباد، على الطريقة الروسية، يخوض مغامراته، بفعل الضرورة أكثر مما بفعل الاختيار. فثمّة وقائع روائية تشكّل نقاط تحوّل في مجرى الأحداث، وتدفع البطل إلى الانتقال من مغامرة إلى أخرى. فقصف المصحّة بقنبلة كازاخسانية يدفع به إلى الانتقال مع مساعديه ومرضاه إلى مدينة بارناول الشمالية. وتفجير المطعم العائم على الجنّة المائية فيها يفرّقه عن صديقته ماشا، ويدفع به إلى أحضان الغابة. وجرف التيار النهري قاربه يلقي به بين مارتيوشكا المتحدّرة من سلالة الكبار التي يستخرج من رحمها لؤلؤة كبيرة، وتستدرجه إلى ممارسة الجنس معها. والتجديف في النهر، خلال هربه منها، يُوقعه بين أيدي الدهماء الذين يضمّونه إلى أسراهم، ويُجبرون الجميع على العمل في نحت الآيفونات الخشبية، تحت طائلة رمي المقصّر والمريض في المستنقع. على أنّ نتائج معيّنة كانت تترتّب على كلّ نقطة تحوّل من هذه النقاط، تعكس المغامرات التي خاضتها الشخصية المحورية، من موقع المكره على الفعل لا المختار له، وهنا، يفارق السندباد الروسي صنوه العربي الذي غالباً ما يختار مغامراته بنفسه.
الرواية سلسلة مغامرات تقوم بها الشخصية المحورية؛ فغارين طبيب نفسي برجلين صناعيّتين، بعد بتر رجليه الطبيعيّتين، جرّاء تعرّضهما للتجمّد، بفعل عاصفة ثلجية، داهمته خلال توجّهه إلى قرية لتلقيح أهلها ضدّ مرض "الزومبي". وعلى الرغم من حؤول هذا السبب القاهر دون إنجاز مهمّته، فإنّ شعوراً بالذنب يلازمه لبقيّة حياته، يحاول التعويض عنه بتفانيه في العمل في إدارة مصحّة "أرز ألطاي" النفسية. والمفارق أنّ نزلاء المصحّة هم ثمانية من قادة العالم السابقين، الخاضعين للعلاج النفسي، الذين يخوضون في أحاديث غير مترابطة، ويُصدرون عن سلوكيّات غريبة. وخلال هذه المحطّة الروائية، تنشأ أنماطٌ مختلفة من العلاقات بين الشخصية المحورية والشخوص الأخرى المتعالقة معها؛ تتراوح بين التعاون في العلاقة مع المساعدين، والثقة في العلاقة مع المرضى، والحب في العلاقة مع ماشا. هذه الأنماط تتبلور شيئاً فشيئاً، وتنتظم في ثلاثة خطوط سردية، مختلفة الطول، تخضع لجدلية الظهور والاختفاء، تبعاً لرغبة الروائي ومقتضيات العملية الروائية، وتنمو في فضاء غرائبي، سواء على مستوى الأماكن أو الشخوص أو الأحداث.
مستويات ثلاثة
تتمظهر الغرائبية، على المستوى الأوّل، في بعض الأمكنة الروائية التي تجمع بين الضخامة والغرابة، من قبيل الكهف الضخم الذي يجمع سكان قرية دولغوي العراة، والخيمة الذهبية للربّة أنارخيّا التي يحتوي داخلها على نجوم وبحر وشعاب مرجانية وأسماك وشقائق البحر، والجنّة المائية في ضواحي بارناول، والقصر الضخم على ضفّة النهر المبني من جذوع الأشجار، والمستنقع الذي يعيش قربه الدهماء ويشبه كيساً بلا قاع، وغيرها. هذه الأمكنة الروائية تجري فيها بعض الأحداث فيما يجري بعضها الآخر في أمكنة طبيعية. وبذلك، يتجاور في الفضاء المكاني الطبيعي والغرائبي، وهو ما يتناسب مع التجاور في الشخوص بين الواقعي وغريب الأطوار، ومع التجاور في الأحداث بين العادي والخارق.
تتمظهرالغرائبية، على المستوى الثاني، في مجموعة من الشخوص الروائية الغريبة الأطوار والأحجام والأشكال، من قبيل صانعي الساعات المعوّقين وراثياًّ، المصابين بتليّن العظام، فلا يمكنهم سوى الجلوس أو الركوب. أنارخيّا الربّة الصغيرة العارية الي هي بحجم دمية باربي، وتمتلك السطوة على أتباعها. وماتريوشكا المرأة الكبيرة الحجم. الدهماء غريبي الأطوار والأشكال من ذوي الأرجل المقوّسة والوجوه الضخمة. أقزام الترامواي، وغيرهم. على أنّ غرائبية الشخوص لا تقتصر على الأجساد، بل تتعدّاها إلى النفوس، فالحكّام السابقون مصابون بأعطابٍ نفسية تجعل منهم غرائبيّين ومفارقين للشخوص الطبيعيّين.
أمّا الغرائبية، على المستوى الثالث، فتتمظهر في مجموعة من الأحداث الروائية، نذكر منها، على سبيل المثال: إصابة الحكام السابقين بمرض الوهم، تحوّل سكّان دولغوي الذين فاتهم التلقيح إلى جثث متحرّكة، تقطيع جثّة الزعيم بالمنشار وبيعها، تباري القادة في الضراط على مائدة العشاء، تولّي الروبوتات الحيوية نقل النازحين بسبب الحرب، ممارسة الأناركيين العادة السرّية جماعياًّ، استخراج لؤلؤة كبيرة من رحم ماتريوشكا، وغيرها. وغنيٌّ عن التعبير أنّ بعض هذه الغرائبيات مقزّزة تنتمي إلى العوالم السفلية، فيما بعضها الآخر ينفتح على الخيال العلمي.
هذه المستويات الثلاثة كان على الدكتور غارين أن يمرّ بها ويشهد عليها ويعيشها، مما يجعل منه سندباداً، على الطريقة الروسية، يخوض سلسلة من المغامرات المفروضة عليه. غير أنّ القدر الذي يظلمه بفرضها عليه لا يلبث أن ينصفه في نهاية الرواية، فيلتقي بحبيبته ماشا التي فرّقه عنها انفجار المطعم، بعد ستّة أشهر من الفراق، غير أنّها تكون بساق واحدة ويدٍ واحدة. لذلك، حين يتعانقان، يتمّ العناق بين ثلاثة أقدامٍ صناعية وثلاثة أيدٍ طبيعية. ومع هذا، لا تحول الإعاقة دون الرضى بواقع الحال والإقبال على الحياة بشغف المحبّين، في إحالة روائية واضحة إلى أنّ المعاق يستطيع الإنجاز والتحدّي وعيش الحياة الطبيعية.
هذا الفضاء الغرائبي المتنوّع، يضعه سوروكين في خطابٍ روائيٍّ متنوّعٍ، بدوره. يقوم على تعدّد الأنماط الكتابية وتجاورها وتعاقبها، ويتجاور فيه السرد والحوار والوصف والمونولوغ والواقع والحلم واليوميات والحكاية الغريبة والرسالة والوثيقة وغيرها. ويستخدمها الكاتب بوتائر مدروسة، ناهيك باستخدامه تقنية الرواية ضمن الرواية. وبذلك، يُحقّق التناسب المطلوب بين الفضاء والخطاب الروائيّين، ويُوفّر لنصّه وظيفة المتعة، فترجح كفّتها على كفّة الفائدة، الوظيفة الأخرى للأدب، ويعود القارئ من القراءة بغنيمة المتعة، على الأقل، وكفى بالمتعة غنيمة.

الأمن الوطني يطيح بـ4 متهمين يوهمون المواطنين بالتعيين على ملاك الجهاز
21-أيار-2024
شرطة الرصافة تنفذ عملية أمنية في منطقة الأعظمية
21-أيار-2024
النزاهة ترصد مخالفات بإنجاز أعمال ترميم مدارس في واسط
21-أيار-2024
القانونية النيابية تكشف تفاصيل قانون العطل الرسمية والمناسبات المشمولة بهِ
21-أيار-2024
المحكمة الاتحادية ترد دعوى رئيس حكومة اقليم كردستان ضد مفوضية الانتخابات
21-أيار-2024
"الاطار التنسيقي" يرفض اجراء التعديل الوزاري ويضع السوداني في موقف محرج
21-أيار-2024
المالية النيابية تستضيف وزيرين لمناقشة الموازنة وتعلن تمريرها قبل انتهاء الفصل التشريعي
21-أيار-2024
أبو ذر الغفاري.. السهم الاشتراكي
21-أيار-2024
نائب محافظ ذي قار ماجد العتابي يستقبل مستشار رئيس الوزراء لشؤون السياحة والاثار
21-أيار-2024
أرنه سلوت يعول على إرث يورغن كلوب للنجاح مع ليفربول
21-أيار-2024
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech