الحلقة الحادية عشرة
الثورة الإسلامية في إيران وانشقاق الدعوة في الكويت
بينما كان عقد السبعينات يزحف نحو نهايته، كان رجل الدين ذو الصوت الهادئ يمهّد لعقد جديد في بلاده والمنطقة والعالم. ذلك هو الإمام الخميني، الذي دخل عالم السياسة من أوسع أبوابه يوم أعلن معارضته القوية في مطلع ستينات القرن العشرين لأقوى حكام المنطقة آنذاك، الشاه محمد رضا بهلوي، آخر ملوك السلالة البهلوية التي لم يُكتب لها البقاء طويلًا – كما لم يُكتب الاستمرار لسلالات أخرى مثل أسرة الأسد في سوريا.
لم تكن معارضة الخميني للشاه حدثًا عابرًا. فقد جمع بين الشرعية الدينية التي منحته إياها مكانته الفقهية، والجرأة السياسية التي جعلته يتحدّى أعتى نظام مدعوم من الغرب. وحين اعتُقل ونُفي، لم يخفت صوته، بل ازداد حضورًا وتأثيرًا، حتى صار رمزًا للمقاومة الشعبية. ومع تصاعد التظاهرات المليونية في شوارع إيران عامي ١٩٧٨–١٩٧٩، بدا واضحًا أن النظام الملكي يترنّح، وأن المنطقة على أعتاب زلزال سياسي.
في الكويت، كنتُ قد أصبحت مدير تحرير مجلة “صوت الخليج” عشية انتصار الثورة. كان رئيس التحرير المرحوم صلاح خريبط متعاطفًا مع الثورة، أما المجلة نفسها فكانت مقربة في السابق من السفارة العراقية. وما هي إلا أعداد قليلة وضعت فيها صورة الإمام الخميني على غلاف المجلة، حتى تحوّل موقف السفارة العراقية إلى العداء الصريح تجاه المجلة.
ورغم الضغوط، واصلنا في صوت الخليج تغطية أحداث الثورة الإسلامية من موقع المؤيد والمتعاطف، خصوصًا مع شخصية الإمام الخميني. كان القارئ العربي عطِشًا لفهم ما يجري، وكانت صور التظاهرات، وأخبار عودة الخميني من المنفى، وخطاباته الأولى من طهران بعد سقوط الشاه، مادة مشتعلة. ولعب سكرتير التحرير المرحوم كمال الرضوي دورًا مميزًا في هذه التغطية. كنا نعيش إحساسًا حقيقيًا بأننا نشارك – بالكلمة والصورة – في لحظة فارقة من تاريخ الأمة.
انشقاق الدعوة في الكويت
بعد انتصار الثورة الإسلامية، بدأت ألاحظ تغيرًا في لهجة عضو ارتباط تنظيم الكويت بقيادة حزب الدعوة التي انتقلت إلى إيران. مرةً قلت له صراحة: “شوف أخي، أنا عاصرت انشقاق سامي البدري، وصار عندي قدرة على شمّ رائحة الانشقاق من مسافة بعيدة”. كان ينفي ذلك بإصرار، لكن الأحداث أثبتت صحّة شكوكي. جاءت اللحظة الفاصلة حين أعلنت لجنة المنطقة انشقاقها عن الدعوة.
لم يمض وقت طويل حتى حمل لي أحد الأصدقاء رسالة خطية من قيادة الحزب تطلب مني إعادة تنظيم الدعاة في الكويت وتشكيل لجنة جديدة. وهو ما فعلته بالتعاون مع عدد من الإخوة الدعاة المسؤولين. ولا أستطيع ذكر أسمائهم اليوم لكونهم ما زالوا أحياء، باستثناء الشهيد أبو أيمن والمرحوم عدنان الأسدي، رحمهم الله.
لقد غيّرت الثورة الإسلامية في إيران توازن القوى في المنطقة، ليس فقط بإسقاط نظام ملكي كان يُعَدّ من أقوى حلفاء الغرب، بل أيضًا بفتح أفق جديد للإسلاميين في كل مكان. فجأةً لم يعد المشروع الإسلامي حلمًا بعيدًا أو شعارًا مثاليًا، بل أصبح واقعًا سياسيًا قائمًا على الأرض. ومن هنا انبثق الأمل الكبير الذي حرّك الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي طوال الثمانينات، ومن بينها حزب الدعوة في العراق.