الحلقة السابعة عشرة - الجزء الأول -
تجربة صحيفة “الجهاد”
بعد أن عرضتُ في الحلقة الماضية موقفي من العلاقة مع إيران والثورة والدولة والقيادة، أروي هنا تجربتي العملية في إصدار صحيفة “الجهاد”، التي شكّلت واحدة من أبرز محطات عملي الإعلامي والسياسي في إيران أوائل الثمانينيات.
(١): قرأت مؤخرا خبرا مفاده أن الطالب سجاد جبار طعمه الحيدري ناقش رسالة ماجستير في قسم التاريخ، كلية التربية للعلوم الإنسانية جامعة البصرة– وكان عنوان الرسالة: (مجلة الجهاد، اتجاهها، موضوعاتها، ١٩٨٠–١٩٨١ دراسة تاريخية). وقد سرني ذلك على الأقل لأن نشاطاتنا الإعلامية أثناء المعارضة أصبحت موضوعا لرسائل الماجستير في الجامعات العراقية. وقد كان لي علاقة مباشرة بهذه النشاطات وبخاصة فيما يتعلق بصحف الجهاد التابعة لحزب الدعوة الإسلامية، والبديل الإسلامي المستقلة، وأخيرًا المؤتمر التابعة للمؤتمر الوطني العراقي الموحد.
مرت صحيفة الجهاد بمرحلتين من الناحية الفنية: الأولى حين صدرت كمجلة، وهي المرحلة التي تناولتها رسالة الطالب سجاد، والثانية حين صدرت كجريدة. في المرحلة الأولى تولى رئاسة تحرير الجهاد الشهيد أبو ياسين، عز الدين سليم، المفكر الإسلامي المعروف الذي أصبح عضوًا في مجلس الحكم بعد سقوط النظام الصدامي، واستشهد أثناء رئاسته للمجلس في ١٧ أيار عام ٢٠٠٤. بعد انتقال حزب الدعوة الإسلامية إلى إيران إثر اشتداد المواجهة المسلحة مع النظام الصدامي حدثت خلافات كثيرة بين الدعاة حول موضوعات عديدة من بينها كيفية اختيار القيادة. وقد انقسم الدعاة في وقتها إلى قسمين، كان في أحدهما الشهيد أبو ياسين. فلما حصل الانشقاق المعروف، ترك أبو ياسين مجلة الجهاد، التي توقفت عن الصدور.
في تلك الفترة كنت أعمل في الكويت كمدير لتحرير مجلة "صوت الخليج" لصاحبها المرحوم باقر خريبط. وكانت حالتي المادية والمعيشية جيدة بل مرفهة ولم يكن يعوزني شيء في هذا المجال. وفي الوقت نفسه كنت عضوًا في “اللجنة السياسية العاشرة” في الكويت التابعة لتنظيم حزب الدعوة هناك، والتي كانت تصدر نشرة الكاشف برئاسة الداعية هيثم محفوظ وعضوية أبو مهدي المهندس وآخرين. أما رقم “العاشرة” فلم يكن يعني شيئًا.
وفي إحدى الأمسيات رن جرس الهاتف في مكتبي وإذا بي أسمع على الطرف الآخر صوت الأخ الداعية فخري مشكور (أبو عارف)، الذي كانت تربطني به علاقة حزبية في السبعينات قبل أن نهاجر كلانا من العراق إلى بلدان المهجر. بعد السلام والتحايا الطبيعية سألني أبو عارف: هل تستطيع المجيء إلى إيران؟ سألته: للزيارة أم للعمل؟ قال: للعمل. قلت: أين؟ قال: في مجلة الجهاد. وحكى لي قصة توقفها. سألته: بطلب منك أم من “الأم”؟ و”الأم” اسم مستعار للدعوة. قال: بطلب من “الأم”. قلت: حسنًا، موافق، سوف أأتي خلال شهر. واتفقنا على اللقاء في دمشق، بعد شهر، ومن هناك نسافر إلى طهران. كان أبو عارف عضو لجنة الإعلام المركزي التابعة لحزب الدعوة، ومن أعضائها أبو عصام وأبو ياسر وأبو محمد، وتناوب على رئاستها كل من أبو أحمد الجعفري وأبو بلال الأديب. أخبرت زوجتي بما حصل، ووافقت أن تأتي إلى طهران بعد أن تستقيل من وظيفتها كمدرسة وتخلي شقتنا.
تم كل ما اتفقنا عليه، أبو عارف وأنا، وما هو إلا شهر وإذا بي في طهران. كان ذلك في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام ١٩٨١. أقمت في فندق (قدس) القريب من ميدان ولي عصر، وبدأت تحركاتي من أجل إعادة إصدار الجهاد. كان علي أن أستكشف الإمكانات الطباعية في طهران، وأشكّل هيئة تحرير، وأعثر على مصمم أو مخرج جيد، وما إلى ذلك. وكان علي أن أنسق مع لجنة الإعلام المركزي في قراراتي المتعلقة بكل ذلك. زرت عددًا من المطابع، وكانت المطبعة الرئيسية تعمل بنظام “الرول” وليس بنظام “الشيت” (sheet). وقررت أن هذا النظام أفضل لطبع جريدة منه إلى طبع مجلة. وهكذا كان قراري الأول: تحويل الجهاد إلى جريدة بحجم A3 (التابلويد). ولم أكن أدري أن هذا الحجم سوف يكون موضوع نقاشات ساخنة في لجنة الإعلام المركزي وبخاصة مع أحد أعضائها، أعني أبو ياسر الشاعر.