بغداد ـ العالم
من خلال مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي ظلّت مهملة لما يقارب تسعين عاماً، أعادت مجلة "نيولاينز" الأميركية فتح نافذة واسعة على حياة الأقلية الإيزيدية في العراق خلال ثلاثينيات القرن الماضي، مسلّطة الضوء على عاداتهم واحتفالاتهم ومظاهر الحياة اليومية التي لم تكن معروفة على نطاق واسع، خاصة في سهل نينوى حيث تنتشر القرى الإيزيدية التاريخية.
تقول المجلة إن العالم اليوم يعيش انفجاراً بصرياً بفعل الهواتف الذكية وتطبيقات مثل إنستغرام وسناب تشات، لكن الظروف كانت مختلفة تماماً في ثلاثينيات القرن الماضي، حين كانت الكاميرا نادرة والقدرة على التوثيق محدودة. ورغم ذلك، فقد استطاع فريق أثري تابع لمنظمة "المدارس الأميركية للأبحاث الشرقية" (ASOR) أن يلتقط، بين عامي 1931 و1938، مئات الصور للإيزيديين في قريتي بعشيقة وبحزاني أثناء تنفيذ حفريات للبحث عن آثار تعود للعصر البرونزي في مناطق تبه غورا وبيلا شمال العراق. وبينما جرى توثيق ونشر البيانات الأثرية في المجلات الأكاديمية بعد انتهاء تلك التنقيبات، اختفت نحو 300 صورة للإيزيديين في أرشيف جامعة بنسلفانيا، وبقيت منسية لعقود. هذه الصور التقطها علماء الآثار بينما عاشوا بين الإيزيديين وتعرّفوا على تفاصيل حياتهم اليومية، وبدت بعد اكتشافها بمثابة سجل بصري نادر لمجتمع عريق لم يكن يُعرف عنه الكثير في ذلك الوقت. في عام 2022، وبالصدفة البحتة، عثر الباحث في جامعة بنسلفانيا مارك مارين وب على هذا المخزون الفوتوغرافي أثناء بحثه حول حفظ التراث الإيزيدي بعد الإبادة التي ارتكبها تنظيم داعش عام 2014. يقول الباحث إنه أدرك فوراً أهمية الصور، فقام بنسخ بعضها على هاتفه خلال عمله الميداني في بعشيقة وبحزاني وسنجار، وعرضها على الإيزيديين الذين استقبلوها بفرح كبير، خصوصاً أنها تضم وجوهاً وأمكنة وحفلات زفاف تعود إلى فترة لم يبق منها سوى روايات شفوية. ويروي أحد الإيزيديين الذين تعاونوا مع الباحث أنهم، بعد الدمار الهائل الذي أحدثه داعش، أصبحوا يبحثون بأي وسيلة عن بقايا صور الأجداد والعائلة، ولذلك كان وقع هذه الصور عليهم شديد الأثر. أما الباحث الثقافي البريطاني بيتر بورك فيصف الصور بأنها "شهود صامتون" على تاريخ الشعوب. ويشير مارين وب إلى أن الصور لم تكن مجرد توثيق بصري، بل أصبحت جسراً للتواصل في منطقة يسودها انعدام الثقة. فمن خلال الصور، تعرّف على شخصيات إيزيدية بارزة، بينها بشير صادق ابن المختار في بعشيقة، الذي ظهر في الصور عاملاً محلياً مع البعثة الأميركية، وقد تعلّم على أيديها تحميض الصور وقيادة السيارة. لاحقاً، زار الباحث منزل عائلة صادق التي كانت قد هاجرت إلى ألمانيا ثم عادت للاحتفال بعيد "سر سال" الإيزيدي، وعرض عليهم صور زفاف جدّهم ومواكب الاحتفال والموسيقيين والرقصات الشعبية. وبدأت جامعة بنسلفانيا عملية ترميم ورقمنة الصور، بينما تطوّر المشروع ليتحوّل إلى مبادرة واسعة تشمل جمع مواد بصرية وتراثية بالتعاون بين مارين وب والباحث ناثانيال برونت من جامعة فيكتوريا، ومع إيزيديين من العراق والمهجر، ضمن مشروع يحمل اسم "سر سال". يهدف المشروع إلى "إعادة" هذا الأرشيف إلى المجتمع الإيزيدي عبر نشر الصور في شوارع بعشيقة وبحزاني وسنجار، وإتاحتها عبر رموز QR المرتبطة بتوزّع الجمهور الذي يشاهدها حول العالم، من أوروبا إلى أميركا وأستراليا.