عفطة بعفطة!
18-آب-2025

أحمد المهنا

قبل ايام قلت لصديق ان السياسي أكثر نضجا من المثقف في العراق. وبالمثقف اعني شغيلة أو منتجي الفكر والادب والفن. وكان السبب المباشر الذي دعاني الى هذا الحكم هو ان الاول اكثر تقبلا للنقد من الثاني. وهذا ليس السبب الوحيد بالطبع.
والواقع ان هذا الحكم نسبي. فتقبل النقد ليس خيار ساسة العراق. لقد كانوا في ذلك مرغمين لا ابطالا. فهناك ”عملية سياسية“ ولدت من برشوت الغزو الاميركي. وادت هذه العملية الى نوع من الديمقراطية يستحيل معه نزع امكانية النقد. فالعالم، وعلى رأسه اميركا، كله عيون على النظام السياسي في العراق.
الى جانب العامل الخارجي هناك الداخلي. فمن طبيعة الديمقراطية وجود الكتل أو القوى السياسية المتنافسة (المتصارعة في حالتنا). وهذا الواقع يعطي فسحة للنقد والهجوم والهجوم المعاكس. فلا تستطيع قوة سياسية اسكات اخرى. كما لا يستطيع مجموع هذه القوى قمع حرية الثقافة والاعلام في النقد.
ان هذا الارغام الآتي من طبيعة الديمقراطية، حتى وان كانت ناشئة وبدائية ومشوهة، يشكل عامل تنمية سياسية، يتمثل احد وجوهها بالغة الاهمية في تقبل النقد. لكن هذا الوجه مازال فتى ضيق الصدر لم يصنع تطبعا ولا تحول الى طبع. ومع اول سانحة يمكن ان ينزاح ستار التطبع المتكلف ويرتد الى الطبع.
ومن نماذج هذا الارتداد ما يفعله مجلس النواب اليوم من محاولة رفع دعاوى ضد فضائية وسائل اعلام. الطبع يغلب التطبع. ولكن مرة اخرى لحسن الحظ هناك قضاء واعلام وعالم يراقب. وكل هذه الاشياء يمكن ان ترغم البرلمان على العودة الى ”الدائرة الديمقراطية“.
اما ”المثقف“ فانه لا يجد مثل هذه الارغامات التي تفرض عليه تقبل النقد فرضا. والمثقف هو المسؤول الطبيعي عن صنع البيئة الفكرية المنتجة للسياسة وانماط السلوك. ومن هذه البيئة ”يتخرج“ الناس وضمنهم الساسة. الساسة هم مسدسات البيئة الفكرية للمجتمع. وبهذا المعنى كانت الجيوش العربية التي ثارت أو انقلبت منذ عبد الناصر ليست اكثر من اذرعة ضاربة لـ ”الوعي“ أو ”الثقافة السياسية“ التي انتجها مثقفون.
ذلك يفسر ان رجلا مثل القذافي لن يظهر في بلد مثل جنوب افريقيا. كما ان صدام يستحيل ان ينبثق عن الهند.
لكن في حالة مثل العراق فان تغيير البيئة الفكرية يمكن ان يأتي من فوق. هذا الفوق ليس شخصا ولا حزبا بل ”عملية ديمقراطية“ تشارك في صنعها آليات مثل البرلمان والانتخابات والقضاء والاعلام والثقافة والرقابة الدولية.
لن اعجب اذا ضاق صدر البرلمان أو الحكومة بالنقد. اذكر ان اول مرة تعرضت فيها للنقد كنت كمن تعرض لطلقة. اما اليوم فاني اترحم على والِدّيَّ من يشتمني. انه على الاقل يعطيني فرصة لتعليمه، اذا كان لدي مثل هذا العلم، الفرق بين الشتيمة وبين النقد، بين اللغة المتواضعة واللغة الكريمة.
ويروى عن نوري السعيد ان بقالا تعرض له بـ ”عفطة“ وهو يسير راجلا الى مكتبه. وحين بلغ مكتبه فتح الشباك المطل على البقال ونادى عليه بالاسم وعندما التفت ما كان من الباشا الا ان « ركعه بعفطة».
وبالمناسبة فان ما فعله السعيد يضاهي اكثر قوانين حرية الكلام تطورا في العالم: في 1969 الغت المحكمة العليا في اميركا قانون القذف التحريضي وجعلت حرية الكلام مطلقة الا اذا أدت الى عمل عنفي وشيك. مع حفظ حق الرد: أي عفطة بعفطة!
ان الانسان اللاناقد ولا منقود جثة.

إيقاف منح إجازات الاستثمار للمجمعات السكنية والمطور العقاري
16-حزيران-2026
إلغاء تعيين زوج نائبة من منصب مدير أكبر مستشفى بديالى
16-حزيران-2026
اتفاق بين بغداد وأربيل على خطط مشتركة لحماية الشركات
16-حزيران-2026
هيئة الاستثمار تفصل إجراءات «مول العراق» وترد على تصريحات مالكه
16-حزيران-2026
تقرير أميركي يتساءل: هل ينجح البطريرك نونا في وقف نزيف الهجرة وحماية الوجود المسيحي في العراق؟
16-حزيران-2026
بعد شهر على نيل الثقة.. حكومة الزيدي بين استكمال الكابينة وحصر السلاح ومواجهة الأزمة المالية
16-حزيران-2026
وفرة الفرات تكشف أزمة التلوث خبراء: الخطر في نوعية المياه لا كميتها
16-حزيران-2026
معنويات مرتفعة وطموح كبير.. منتخبنا الوطني يتأهب لمواجهة النرويج في المونديال
16-حزيران-2026
من النهروان إلى سبايكر .. سياق واحد
16-حزيران-2026
ميلان كونديرا يبرئ فرانتز كافكا من «لوثة» الأيديولوجيا
16-حزيران-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech