أحمد المهنا
قبل ايام قلت لصديق ان السياسي أكثر نضجا من المثقف في العراق. وبالمثقف اعني شغيلة أو منتجي الفكر والادب والفن. وكان السبب المباشر الذي دعاني الى هذا الحكم هو ان الاول اكثر تقبلا للنقد من الثاني. وهذا ليس السبب الوحيد بالطبع.
والواقع ان هذا الحكم نسبي. فتقبل النقد ليس خيار ساسة العراق. لقد كانوا في ذلك مرغمين لا ابطالا. فهناك ”عملية سياسية“ ولدت من برشوت الغزو الاميركي. وادت هذه العملية الى نوع من الديمقراطية يستحيل معه نزع امكانية النقد. فالعالم، وعلى رأسه اميركا، كله عيون على النظام السياسي في العراق.
الى جانب العامل الخارجي هناك الداخلي. فمن طبيعة الديمقراطية وجود الكتل أو القوى السياسية المتنافسة (المتصارعة في حالتنا). وهذا الواقع يعطي فسحة للنقد والهجوم والهجوم المعاكس. فلا تستطيع قوة سياسية اسكات اخرى. كما لا يستطيع مجموع هذه القوى قمع حرية الثقافة والاعلام في النقد.
ان هذا الارغام الآتي من طبيعة الديمقراطية، حتى وان كانت ناشئة وبدائية ومشوهة، يشكل عامل تنمية سياسية، يتمثل احد وجوهها بالغة الاهمية في تقبل النقد. لكن هذا الوجه مازال فتى ضيق الصدر لم يصنع تطبعا ولا تحول الى طبع. ومع اول سانحة يمكن ان ينزاح ستار التطبع المتكلف ويرتد الى الطبع.
ومن نماذج هذا الارتداد ما يفعله مجلس النواب اليوم من محاولة رفع دعاوى ضد فضائية وسائل اعلام. الطبع يغلب التطبع. ولكن مرة اخرى لحسن الحظ هناك قضاء واعلام وعالم يراقب. وكل هذه الاشياء يمكن ان ترغم البرلمان على العودة الى ”الدائرة الديمقراطية“.
اما ”المثقف“ فانه لا يجد مثل هذه الارغامات التي تفرض عليه تقبل النقد فرضا. والمثقف هو المسؤول الطبيعي عن صنع البيئة الفكرية المنتجة للسياسة وانماط السلوك. ومن هذه البيئة ”يتخرج“ الناس وضمنهم الساسة. الساسة هم مسدسات البيئة الفكرية للمجتمع. وبهذا المعنى كانت الجيوش العربية التي ثارت أو انقلبت منذ عبد الناصر ليست اكثر من اذرعة ضاربة لـ ”الوعي“ أو ”الثقافة السياسية“ التي انتجها مثقفون.
ذلك يفسر ان رجلا مثل القذافي لن يظهر في بلد مثل جنوب افريقيا. كما ان صدام يستحيل ان ينبثق عن الهند.
لكن في حالة مثل العراق فان تغيير البيئة الفكرية يمكن ان يأتي من فوق. هذا الفوق ليس شخصا ولا حزبا بل ”عملية ديمقراطية“ تشارك في صنعها آليات مثل البرلمان والانتخابات والقضاء والاعلام والثقافة والرقابة الدولية.
لن اعجب اذا ضاق صدر البرلمان أو الحكومة بالنقد. اذكر ان اول مرة تعرضت فيها للنقد كنت كمن تعرض لطلقة. اما اليوم فاني اترحم على والِدّيَّ من يشتمني. انه على الاقل يعطيني فرصة لتعليمه، اذا كان لدي مثل هذا العلم، الفرق بين الشتيمة وبين النقد، بين اللغة المتواضعة واللغة الكريمة.
ويروى عن نوري السعيد ان بقالا تعرض له بـ ”عفطة“ وهو يسير راجلا الى مكتبه. وحين بلغ مكتبه فتح الشباك المطل على البقال ونادى عليه بالاسم وعندما التفت ما كان من الباشا الا ان « ركعه بعفطة».
وبالمناسبة فان ما فعله السعيد يضاهي اكثر قوانين حرية الكلام تطورا في العالم: في 1969 الغت المحكمة العليا في اميركا قانون القذف التحريضي وجعلت حرية الكلام مطلقة الا اذا أدت الى عمل عنفي وشيك. مع حفظ حق الرد: أي عفطة بعفطة!
ان الانسان اللاناقد ولا منقود جثة.