التسامح، اذن، ثمرة الرفاه والكرامة. أي انه نتاج شروط اقتصادية ومعنوية متقدمة. وهو بالتالي غير ممكن من دونها. ولكن هناك تجارب تاريخية استثنائية اثبتت ان الوعي يمكن ان يكون بديلا عن تلك الشروط، وبالتالي يكون سببا في نشر التسامح وسط شعب فقير، أو غير مهيأ لا ماديا ولا معنويا لحياة التسامح.
والمقصود بالوعي في هذا المقام هو نوع الفكر والسلوك الذي ينشره قادة الرأي العام من ساسة ومثقفين ورجال دين. ولاشك أن المثل الأعظم على ذلك في العصر الحديث هو غاندي. فلم تكن الهند التي قادها الرجل مرفهة كريمة متسامحة بل معدمة مستعمرة متطرفة. وقد تغذت بالتطرف خصوصا مع نضوج التطلع الوطني الى الاستقلال من الاستعمار البريطاني.
قامت عقيدة غاندي، وهو ابو الوطنية الهندية، على اللاعنف في تحقيق الاستقلال وفي تحقيق التقدم والازدهار بعد الاستقلال. وكان التسامح مركز تلك العقيدة: ان عدوك اليوم هو صديقك غدا، بل قد يكون صديقك الذي لا غنى عنه. ولذلك فان عليك مقاومته بوسيلة غير قابلة للنضوب، وغير مكلفة، وهي الحب. أحبب عدوك!
غزا غاندي بذلك قلوب البريطانيين وهو يقاومهم من أجل إنهاء استعمارهم لبلاده. كان معجزة الشرق التي انحنى لها الغرب إجلالا. معجزة الشرق الوحيدة في العصر الحديث. وكان التسامح جوهرها ، والتسامح هو الروح الغالبة أو الطاغية في تاريخ الهند الحديث، رغم بقاء هامش للتعصب وقع غاندي نفسه ضحية له.
ان معجزة الرجل ليست من ابتكاره وانما من استثماره المبدع لأحد أهم الكنوز الاخلاقية في تاريخ بلاده. فالهند حاملة شعلة التسامح منذ فجر التاريخ. وحيثما التفت الهندي يجد قانون الامبراطور أشوكا ( ولد 304 ق ب) منقوشا في الصخور وفيه أمثال هذه الكلمات « احفظ لسانك من مدح معتقدك وذم معتقد الآخرين بدون لياقة». وعلى مدى التاريخ شاعت في الهند أخلاق التقدير المتبادل للمقدس حتى لتجد في المدينة الواحدة أكثر من ألف عقيدة دينية. أما ما يقع من جرائم التطرف فهو الهامش الضيق المخالف للخلق العام.
ولكن رغم هذا التاريخ المجيد من التسامح فانه لو قيض لرجل متشدد قيادة حركة الاستقلال الوطني فمن يعرف الى أين كان سيذهب بالهند. في هذه الحال كان واردا الدوس على كل ذلك التاريخ المجيد والانحدار بالبلاد الى منزلق التطرف. وقد جرت العادة على سريان التشدد في كل تجارب التحرر الوطني. لكن القائد الاسطوري أيقظ التسامح ومده بأسباب الحياة والنجاح.
ان قادة الرأي العام في بلادنا مطالبون بتولي هذه المهمة. مهمة نشر التسامح. لقد وقعت عندنا أحداث مريعة في السنوات الفائتة. ولحقت عوائل كثيرة من الشيعة ومن السنة أضرار فادحة بعضها غير قابل للإصلاح أو التعويض. ومن بين ما لاحظته ان الاشخاص المتضررين من الطائفية أكثرهم تمسكا بالطائفية. فجلّ ما يفهمه المتضرر من هذا الطرف تحميل المسؤولية للطرف الآخر. فالشيعة ينظرون الى مصائبهم ويعمون عن مصائب السنة. والعكس صحيح أيضا.
وأكاد أجزم بأن القوم من الجانبين كان يمكن أن يكونوا أبعد نظرا، وأكثر تسامحا، لو هيئت لهم قيادات سياسية وفكرية غير متشددة. ولطالما بقيت مثل هذه القيادات تدين بمناصبها ومغانمها الى الطائفية فان التسامح يضيق، والتطرف يتسع لمزيد من الأرض والروح اليباب.