بغداد ـ العالم
تعيش قرية لاجان التابعة لقضاء خبات في محافظة أربيل على وقع واحدة من أعقد الأزمات التي شهدها إقليم كردستان في السنوات الأخيرة، بعد أن تحوّلت احتجاجات بدأت بمطالب اقتصادية إلى صدامات دامية أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى، وتهجير عشرات العائلات، وقطع الطرق الرئيسة، وإحراق مقرات حزبية.
وتقع قرية لاجان على بعد 20 كم غرب أربيل، وسط مناطق حساسة تضم عدداً كبيراً من المصافي النفطية، وهو ما جعلها منذ سنوات محور تنازع سياسي واقتصادي. ومع الاضطرابات الأخيرة، يتجدد السؤال حول قدرة حكومة الإقليم على ضبط التوازن بين المصالح الاقتصادية وحقوق السكان المحليين.
فالأزمة التي انفجرت عقب خلاف على عائدات نفطية ضخمة، سرعان ما أخذت بُعداً سياسياً وعشائرياً بالغ الحساسية، ليصبح المشهد مزيجاً من الصراع على الأرض والثروة والسلطة، في منطقة تُعد من أهم مراكز المصافي النفطية غرب أربيل. وبينما تؤكد السلطات عودة الهدوء، تكشف الوقائع عن جرح عميق لم يُعالج بعد، ونذر مواجهة أكبر ما لم تُطرح حلول سياسية واقعية تتجاوز المعالجات الأمنية التقليدية.
واندلعت الاحتجاجات أواخر تشرين الثاني الماضي على خلفية خلافات حول عائدات نفطية بملايين الدولارات، تُتهم جهات حزبية بالسعي للسيطرة عليها. وتحوّلت الاحتجاجات سريعاً إلى غضب شعبي واسع بعد مقتل الشاب عرفان بهاء الدين، ما أشعل فتيل المواجهة بين الأهالي والقوات الأمنية التابعة للحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وافاد شهود عيان من القرية بأن القوات الأمنية قطعت الكهرباء والإنترنت والخدمات الأساسية للضغط على السكان، قبل أن تبدأ عملية إخلاء قسرية شملت النساء والأطفال وكبار السن، وسط مشاهد لطوابير بشرية تسير على الأقدام باتجاه المناطق المجاورة.
وتحدث سكان عن عمليات اعتقال واسعة طالت عشرات الشباب، وتهديدات مباشرة باستخدام القوة المميتة ضد من يرفض الإخلاء، وهو ما عزز شعور الأهالي بأن الهدف يتجاوز “معالجة اضطرابات” إلى محاولة تغيير ديموغرافي مرتبط بمصالح اقتصادية.
وأشعل مقتل عرفان موجة تضامن واسعة، خصوصاً بين عشائر الهركي التي تنتشر في قضاء خبات ومحيط أربيل. وسرعان ما انتقلت الاحتجاجات إلى الطرق الرئيسة، حيث أُغلق طريق كوير الرابط بين الموصل وأربيل، قبل أن يمتد الإغلاق إلى طريق كلك ثم طريق شاخولان المؤدي إلى دهوك عبر قرية غزنة.
في خضم الفوضى، أظهرت مقاطع مصوّرة احتراق مقر الحزب الديمقراطي في قضاء خبات وسط هتافات غاضبة حمّلت الحزب مسؤولية تدهور الأوضاع، فيما تواصلت الاشتباكات التي أسفرت – وفق مصادر طبية – عن ضحايا من الطرفين دون صدور إحصائية رسمية نهائية حتى الآن.
ومن بين التطورات التي أدت إلى تعقيد المشهد، قيام القوات الأمنية باعتقال نيجيروان عيسى هركي، مسؤول لجنة خبات لتنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني، بعد إصابته بطلق ناري. ورغم إطلاق سراحه سريعاً، إلا أن الحادثة أثارت غضب الاتحاد الوطني الذي أصدر بياناً شديد اللهجة اعتبر ما يجري “سابقة خطيرة” في تاريخ الإقليم.
وجاء في بيان المركز الثالث للاتحاد الوطني أن المواجهة باتت بين “قوة حزبية مسلحة بأسلحة التحالف الدولي ضد قرية من المدنيين العزّل”، داعياً الرئاسات الثلاث في الإقليم والتحالف الدولي إلى التدخل لـ“وقف حرب غير شرعية تُشن ضد السكان”.
وحذّر البيان من أن الهدف الحقيقي للتحركات العسكرية قد يكون “طرد الأهالي من أرضهم والاستيلاء على القرية لصالح شركة معيّنة”.
في المقابل، أعلنت السلطات في إقليم كردستان أن الوضع “عاد إلى طبيعته”، وأن المواطنين رجعوا إلى منازلهم، مؤكدة أن حكومة الإقليم ستتصدى “لكل من يوجه السلاح نحو القوات الأمنية”.
غير أن عودة الهدوء لا تُخفي المخاوف من انفجار الأزمة مجدداً، خصوصاً أن الأسباب الجوهرية المرتبطة بملكية الأرض، والعائدات النفطية، ومكانة عشيرة الهركي داخل المعادلة السياسية والأمنية في أربيل، ما تزال بلا حلول واضحة.
الأحداث أكدت أن المعالجة الأمنية وحدها غير كافية، وأن مواجهة التوتر تتطلب مبادرة سياسية شاملة تشمل فتح تحقيق شفاف ومستقل في عمليات القتل والتهجير، وتعويض المتضررين وضمان عودة الحياة الطبيعية للقرية، ووضع صيغة عادلة لتوزيع العائدات النفطية وحسم ملكيات الأراضي، الى جانب ضبط أداء القوات الأمنية ومنع استخدامها في صراعات اقتصادية.
وبينما ينتظر الأهالي خطوات عملية تعيد الثقة بالدولة، يبقى مستقبل لاجان مرتبطاً بمدى جدية السلطات في منع تكرار القوة المفرطة والاستجابة للمطالب المشروعة التي دفعت السكان إلى الشارع منذ البداية.