لماذا يبقى المجرمون في الأبعاد الأربعة بعد البعث؟
1-كانون الأول-2025

إن القرآن حين يتحدث عن يوم النفخ في الصور ويوم الحشر ويوم القيامة لا يعرض عوالم غيبية خيالية ولا يصف أمكنة خارقة منفصلة عن طبيعة الوجود، بل يكشف عن تحوّل جذري في البنية الوجودية للإنسان، ويبيّن أن النفوس بعد الموت لا تنتقل إلى عوالم جديدة بسبب سلطة قسرية من الخارج، بل بفضل قابليتها الداخلية التي شكّلتها هي في الدنيا من خلال الإيمان والقيم والعمل والتزكية والعلم. ومن هنا فإن قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ لا يمكن قراءته قراءة سطحية أو لونية، بل هو تعبير وجودي دقيق عن طبيعة هذه النفوس التي بقيت محصورة في الأبعاد الأربعة ولم تتمكن من اكتساب أي بعد إضافي يتيح لها القدرة على الارتقاء في فضاء الوجود الأعلى الذي يتفتح عند النفخ في الصور.
إن الإنسان في الدنيا يتحرك داخل جسد مادي رباعي الأبعاد يتكوّن من الطول والعرض والارتفاع والزمن، وهذه الأبعاد تشكل الإطار الأدنى للوجود الإنساني، لكن القرآن يفتح الباب على إمكان ارتقاء الإنسان إلى أبعاد أعلى عبر الإيمان الواعي والتزكية والعمل القيمي والعلم السنني، فتتشكل للنفس بنية أكثر قدرة على استقبال الوجود الأعلى في النشأة الأخرى. ولهذا قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فالرفع هنا ليس معنويًا بل وجوديا، لأن “الدرجة” ليست مكانًا، بل سعة في الوجود، و“الرفع” ليس ارتفاعًا فيزيائيًا، بل توسّعا في الأبعاد.
وعند النفخ في الصور تتفكك البنية الزمنية والمكانية التي كانت تحكم الوجود الدنيوي، فينفتح المجال الوجودي لما وراء الأبعاد الأربعة؛ وهو مجال لا يدخل إليه إلا من كان قادرًا على ذلك بما حمله من توسع وجودي في الدنيا. فالمؤمنون الذين زكّوا أنفسهم وعمّقوا وعيهم وملأوا كيانهم بالقيم العليا يصبحون — عند قيام النشأة الأخرى — قادرين على الولوج في مستويات وجود أعلى، لأن نفوسهم تهيّأت لحمل الأبعاد الجديدة التي لم تكن متاحة لهم في الدنيا بسبب الجسد المادي. أما المجرمون، فإن نفوسهم تبقى كما هي: بنية رباعية منغلقة محاصرة في إطار المادة والزمان والمكان دون أي توسع قيمي أو بصيرة سننية أو نور إدراكي، ولذلك حين يُحشرون يوم القيامة تظهر عليهم آثار هذا الانحصار البنيوي في صورة “الزرقة”، وهي ليست لونًا مصطبغًا على جسد مادي، بل صفة وجودية ترمز إلى الاختناق والانغلاق والضيق، أي عدم قدرة النفس على التنفس في بيئة متعددة الأبعاد لأنها لم تُعدَّ نفسها لذلك. فالزرقة في القرآن تعبّر عن حالة كيان يبحث عن الهواء ولا يجده، لأن الهواء هنا هو البعد الخامس والسادس وما فوقهما؛ أي إن النفس فقدت “الأوكسجين الوجودي” الذي تحتاجه للعيش في عالم النشأة الأخرى.
وهكذا نفهم أن المجرمين لا تزيد أبعادهم يوم القيامة، لأن الأبعاد ليست هبة تُعطى، بل هي قابلية تُكتسب؛ وأن النفس التي لم تتوسع في الدنيا لا تستطيع أن تتوسع في الآخرة، بل تبقى محصورة في حدودها الأولى، ولذلك يكون حشرها ظلاميًا اختناقيًا منغلقًا، ويكون عذابها ضيقًا وجوديًا لا ماديًا، لأن النار — في الفهم الحضاري — ليست عنصرًا ماديًا مشتعلًا، بل ضيق الأبعاد وانسداد الأفق وانعدام القدرة على التحرك في الوجود الأعلى. وهذه الحقيقة يعبّر عنها القرآن مرارًا بقوله: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ﴾ و﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ و﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ و﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وكلها صور للانقطاع الوجودي، لا للعقوبة المادية. وبذلك يصبح معنى الحشر أن النفوس تتجمع بحسب عدد الأبعاد التي اكتسبتها لا بحسب المكان؛ فالنفس التي أصبحت متعددة الأبعاد تُحشر في فضاء يتناسب مع سعتها، والنفس التي بقيت محصورة في الأربعة تُحشر في مكان لا يتسع إلا لما تحمله من ضيق..

تركيا تبحث في بغداد تنفيذ الاتفاقية المائية من طرف واحد
8-كانون الأول-2025
فؤاد حسين ينقل لباراك استغراب الحكومة من تصريحاته الاخيرة عن العراق
8-كانون الأول-2025
لجنة «تجميد أموال الإرهابيين» تشطب حزب الله والحوثيين من قائمة الحظر
8-كانون الأول-2025
اجتماع إسرائيلي ـ قطري في نيويورك لترميم العلاقة
8-كانون الأول-2025
واشنطن تعيد ضبط معادلة الطاقة في العراق: شحنة نفط كردستان إلى لويزيانا تعكس تحوّلاً استراتيجياً واسعاً
8-كانون الأول-2025
المجلس السني بين اختبار التوافق وضغط الاستحقاق رئاسة البرلمان في قلب التجاذبات
8-كانون الأول-2025
واشنطن تعيد ضبط معادلة الطاقة في العراق: شحنة نفط كردستان إلى لويزيانا تعكس تحوّلاً استراتيجياً واسعاً
8-كانون الأول-2025
اجتماع الهيئة التنسيقية للمحافظات: إصلاحات مالية وصحية وبلدية وتسهيلات سكنية
8-كانون الأول-2025
النزاهة: اعتبار التجاوزات البيئية «جرائم فساد» وشمولها بأولويات التحقيق
8-كانون الأول-2025
الصحة: ورشة حول «الدليل الوطني» لتغطية قضايا الصحة النفسية والإدمان
8-كانون الأول-2025
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech