بغداد – العالم
تتوسع ظاهرة عربات الطعام المتنقلة في العاصمة بغداد وعدد من المدن العراقية، لتتحول في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز ملامح الحياة اليومية، خصوصاً في المناطق المزدحمة والفعاليات العامة، حيث تجذب العائلات والأطفال وتوفر خيارات طعام ومشروبات بأسعار مناسبة.
جاء انتشار هذه المشاريع الصغيرة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العراقيون، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية إلى تفاقم البطالة. وقد دفع ذلك شريحة واسعة من الشباب والموظفين والخريجين إلى البحث عن مصادر دخل إضافي من خلال إنشاء عربات طعام متنقلة بتكاليف معقولة وأرباح جيدة.
وعلى الرغم من حداثة انتشارها محلياً، فإن فكرة مطاعم العربات ليست جديدة عالمياً؛ إذ تعود بداياتها إلى الولايات المتحدة عام 1866، عندما استُخدمت عربات الجيش لتخزين الطعام والتنقل بين الولايات. ثم تطورت الفكرة عام 1872 على يد الأميركي وولد سكوتر الذي كان أول من صمّم عربة طعام تجارية وعربة أخرى لبيع الصحف، ومنها انتشرت إلى مختلف دول العالم، وصولاً إلى العراق.
في العراق، يتحول هذا المشروع إلى رحلة طويلة من العمل والتعديل. ويقول المهندس الشاب أيمن عبد الكريم (29 عاماً)، الذي استغرق عاماً ونصف في تحويل شاحنة مرسيدس قديمة إلى عربة شواء متنقلة، إن "إعداد العربة من الصفر يتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً، لكنه مشروع يستحق العناء". ويضيف ان "أسعار العربات الجاهزة تتراوح بين 6 و8 ملايين دينار، وأرباحها مجزية، ولذلك فهي خيار مناسب للشباب الباحثين عن عمل أو مشروع صغير". ويكشف عبد الكريم أن تجربته مع عربة طعام سابقة ما تزال تحقق له دخلاً ثابتاً حتى اليوم. ورغم انتشار هذه العربات في أحياء مثل المنصور والكرادة والعطيفية، فإن الجهات الرسمية لم تصدر حتى الآن إحصائية دقيقة عن أعدادها.
ويقول المتحدث باسم أمانة بغداد عدي الجنديل إن "كل دائرة بلدية تمنح الإجازات للعربات الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي، وفق تعليمات محددة"، مؤكداً عدم السماح بمزاولة النشاط خارج المنطقة المخصصة أو دون إجازة رسمية.
ويشير الجنديل إلى أن الأمانة تعمل على "تنظيم عمل العربات بشكل يحفظ المظهر الحضاري للمدينة ويمنع التجاوزات والفوضى".
وتنتشر العربات عادة في المناطق ذات الحركة النشطة، خصوصاً أيام العطل والمناسبات والمهرجانات. ويقول الموظف مصطفى حسين، العامل في وزارة الصناعة، إنه لجأ إلى شراء عربة لبيع الطعام لتغطية نفقاته الشهرية. ويضيف: "أوقف العربة قرب الحدائق والأماكن العامة. العمل مريح وآمن ويوفر دخلاً إضافياً يساعدني كثيراً".
وتخضع عربات الطعام المتنقلة لرقابة صحية دقيقة قبل منحها إجازة العمل. ويوضح صاحب عربة الطعام ثامر عبد الحسن أنه اضطر إلى استيفاء مجموعة من الشروط، تشمل فحص العربة والعاملين، وتوفير شهادة صحية، وتأمين الكهرباء والمستلزمات اللازمة، مؤكداً أن "اللجان الصحية تواصل جولاتها التفتيشية لضمان جودة الطعام ونظافة المكان".
ويعبر المواطنون عن دعمهم لهذه المشاريع باعتبارها خياراً اقتصادياً مناسباً ومنفذاً مهماً للشباب. وتقول المواطنة سناء عيسى: "من الجميل تناول الطعام في الحدائق وشراء السندويشات من العربات القريبة، فهي تقدم أطعمة متنوعة وبأسعار جيدة".
ويضيف المواطن حسن صبار: "غالبية الشباب العاملين في هذه العربات يقدمون طعاماً نظيفاً ومحضراً بطريقة صحية، وهذا يجعلني مطمئناً".