بغداد _ العالم
تُعد منارة داقوق واحدة من أبرز المعالم الأثرية في محافظة كركوك، وإحدى الشواهد التاريخية التي تجسّد تعاقب الحضارات على شمال العراق. تقع المنارة في قضاء داقوق على الطريق الحيوي الرابط بين كركوك وبغداد، الأمر الذي أضفى عليها قيمة استراتيجية ودينية واقتصادية عبر قرون طويلة، وجعلها علامة بارزة يتعرّف بها الأهالي والزائرون من مسافات بعيدة. ورغم تأثير الزمن والإهمال المتراكم في فترات مختلفة، لا تزال المنارة شامخة، محافظة على حضورها المعماري والرمزي. ويعود تاريخ تشييدها إلى العصر العباسي، إذ تُشير الدراسات الأولية إلى أنها بُنيت بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وهو ما يجعلها واحدة من أقدم الأبراج الدينية المتبقية شمال البلاد.
ويُرجّح الباحثون أن المنارة كانت جزءاً من جامع كبير اندثرت معظم أجزائه، ولم يبق منه سوى المنارة التي صمدت بفضل بنيتها القوية ومواد بنائها المتماسكة. وقد أدت في الماضي وظيفتين أساسيتين: الأولى دينية كونها مئذنة تُرفع منها نداءات الصلاة، والثانية وظيفية باعتبارها دليلاً ملاحياً للقوافل التجارية والمسافرين الذين كانوا يسلكون الطريق بين بغداد والموصل مروراً بداقوق. بهذا الدور المزدوج تحولت المنارة إلى عنصر محوري في الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية للمنطقة. وتتميز المنارة ببنائها الأسطواني المهيب، إذ يبلغ ارتفاعها نحو 20 متراً، ما يجعلها واضحة للعيان حتى من المناطق المحيطة. وتقوم على قاعدة مربعة قوية مبنية بالطوب والجص وفق الطراز العباسي المعروف باستخدام المواد المحلية القادرة على مقاومة الظروف المناخية القاسية. ويُظهر بدنها الأسطواني زخارف هندسية بسيطة ومتناسقة، تُعد نموذجاً لافتاً للعمارة الإسلامية في العصور الوسطى، خصوصاً في مرحلتها العباسية المتأخرة. ويضم داخل المنارة سلّماً لولبياً كان يؤدي إلى الشرفة العليا، قبل أن تتعرض قمّتها لتهدم جزئي مع مرور الزمن.
ورغم أن الزخارف ليست كثيفة، إلا أن دقتها وتكرارها الهندسي يمنحان المنارة جمالاً خاصاً ويبرزان مهارة البنّائين في تلك الحقبة. كما تطغى على المكان مسحة تراثية جعلته حاضراً في الذاكرة الشعبية لأهالي داقوق، إذ ارتبط بقصص القوافل والمسافرين الذين كانوا يستدلّون بضوئه وموقعه خلال رحلاتهم.
وفي سياق الاهتمام الرسمي المتجدد بالموقع، يرى قائممقام داقوق، سراح الدين ناظم العاصي، أن منارة داقوق "إحدى أبرز المعالم التراثية في جنوب كركوك، ورمز حضاري يجب الحفاظ عليه بوصفه جزءاً من هوية القضاء". ويؤكد العاصي أن الإدارة المحلية تعمل على التنسيق مع الجهات المعنية لإدراج المنارة ضمن أولويات مشاريع الصيانة والترميم، لما تملكه من قيمة ثقافية يمكن أن تُسهم في تعزيز الحركة الاقتصادية والسياحية في المنطقة. بدوره، يوضح مدير آثار وتراث كركوك، رائد عكلة العبيدي، أن منارة داقوق "واحدة من أهم الشواهد الإسلامية في المحافظة وتعود للعهد العباسي المبكر". ويشير إلى أن المديرية أجرت عمليات كشف موقعي وتوثيق هندسي لتقييم حالة المنارة وتحديد مناطق التصدّع، تمهيداً لوضع خطة علمية للترميم تتطلب تخصيصات مالية وكوادر فنية خبيرة. ويقول العبيدي إن الحفاظ على المنارة "مسؤولية وطنية تتعلق بصون التراث العراقي، فهي شاهد حضاري مرّ عليه الزمن دون أن يفقد روح العصر الذي بُني فيه".