بغداد - العالم
في العدد الثاني من صحيفة البلاد، والمؤرخ في 27 تشرين الأول 1927 كتب الكاتب الساخر حبزبوز مقالًا يتحدث فيه عن الذوق العراق في ذاك الزمان،ن جاء في المقال
وأقصد بذوقهم، ذوقهم الموسيقي فقط، فقد كانوا "صبيان بغداد" أرقى ذوقًا من يومنا هذا. وتلك قضية يقر بها من عاش أواخر القرن التاسع عشر وهو يشاهد اليوم النغمات الجافة في أوتيلات العاصمة، معاهد الذوق والطرف "إذا صح التعبير".
فمن حسن ذوق أجدادنا وآبائنا الكرام، أنهم كانون يختارون بعض المقاهي المشهورة كقهوة الأنبار في سوق الخفافين وقهوة المميز في رأس الجسر القديم، حيث كانت هاتين القهوتين من معاهد الذوق والطرب يؤمهما أرباب الذوق البديع وقت الفجر.
وشتان بين سماع نغمات الموسيقى قبل طلوع ابنة يوشع ببضع ساعات على ضفاف دجلة حيث يستنشق الإنسان هواءه البليل العليل، وبين سماعه في ضجة الأوتيلات حيث لا يسمع إلا قرقعة الكؤوس وأصوات السكارى المزعجة.. كانت الأجواق "الجالغيات" تترتب من خيرة أرباب الصنعة، كرحمين الكمنجاتي ونسيم السنطوري وشاهول القانوني وأصحاب الدنبك مثل ابن معاطو وابن قرد جويد، ومن أشهر القراء كالرباز وحسن الشكرجي وأحمد زيدان ورحمين وغيرهم..
أما المقامات فكانت مزيج من النغمات العربية والفارسية وكلها أصول وشعب لا يجوز للقارئ أن يحيد عن حدودها ولا للمستمع أن يغير سبيل السمع لا خوفًا من اللوحة التي كتب عليها "طلب البستات ممنوه بأمر مديرية الشرطة" بل حرصًا على ذوقه الشخصي.
ولا تسل عن البستات التي تأخذ بمجامع القلوب من حيث النغمة والمعنى معًا. فبالله عليك أيها القارئ البغدادي ألست تتذوق من سماع بستة من مقام الصبا ومعانيها خلوة من كل سفه وهي:
على الشوملي على الشوملي
نارك ولا جنة هلي
وسماع هذه البستة التي لا تحتوي إلا على الساذج من التمنيات
يا زارع البزرنكوش.. إزرع لنا حنة
دق الحديد على الحديد.. تسمه له رنة
وأنظر إلى البساطة التي تجدها في أغنية تلك الفلاحة التي لا هم لها إلا عبور حبيبها من إحدى ضفاف نهر ديالى إلى الضفة الاخرى فتقول:
عمي يا راعي العبرة
عبر شوكي وحصانه
وإنكان مامش عبره
لأنطي التراجي رهانه
ولنقيس الآن هذا الدوق بذوقهم الحاضر إذ نجدهم يرعطون الأفواه من الاذن إلى الأذن سرورًا عند سماعهم إحدى "بنات الحلال" تصرخ بصوتها المنكر على المرسح:
يا غراب! يا غراب دنطحني
نطحك بليه كرون يا ولد
ده! ده! ده!