أحمد المهنا
حين اخبرت زهير الجزائري ان وليد جمعة دخل بغداد قال على الفور: اذن فقد عادت الفتنة الطائفية. اما حين ابلغت فالح عبد الجبار النبأ فقد قال: اختل ميزان القوى في العاصمة.
وليد جمعة اذن وصل بغداد.
الشاعر الستيني، الزاهد في النشر، بدا منهكا، ذائب اللحم أنفا من ان يسكن الجلد والعظما، وبأسنان مرت عليها رحمة الله، ومعدة عاطلة عن التشهي. لكن روحه مازالت فوارة، مجساته الحسية متقدة، والعقل شغال. التقيته في مقهى ابراهيم المعروف بالاسم الشهير”مقهى المعقدين“. وقد سمي بذلك نسبة لرواده الذين كانوا من المثقفين. ووليد شعلة من الاخلاص لهذا المقهى. الرجل معروف بانه ”وجودي“ من نوع ما يمكن ان يخون الحقيقة. او ان تخونه الحقيقة. سألته يوما عن صديقنا الشاعر الراحل شريف الربيعي: ما سبب صيت الغنى الذي عرف به بينما الرجل مات عن اقل من 10 الاف جنيه استرليني كانت هي جماع ما خلّف؟ اجاب وليد: انا السبب فلم احمه!
وبالفعل كنت سمعت من وليد يوما في بيروت عام 1980 انه رأى شريف الربيعي وهو ”يعامل على دبابة“!
والحقيقة ان ذبابة كان يمكن ان تصرع شريف اذا حامت حوله فما بالك بدبابة؟ لكنه وليد جمعة. رجل كان يستطيع ان يسبغ وان يمنع الحماية لمن شاء وكيفما شاء. كان لسانا حادا لاذعا بعبارات لشدة تألقها او طرافتها او اختلافها يمكن ان تدور بين الألسن. حطيئة زمانه؟
أما مع مقهى المعقدين فهو شيء آخر.لا العائلة، لا الأصدقاء، لا الكتب، لا الشعر، لا الوطن يمكن ان تكون له قيمة عند وليد توازي قيمة مقهى المعقدين. فهي الرحم وهي الدنيا وهي القدس.
ومنذ اليوم الاول لوصوله بدأ مشروعا لإعادة الحياة الى المقهى: تجديد الطاولات والكراسي والقنفات واعادة اجتذاب الرواد القدماء والأجيال التالية لهم من المثقفين. هل سيضبط المشروع؟ الجواب في علم الغيب. لكن ذلك الفرع الاول بين شارع السعدون وبين شارع ابو نؤاس، حيث تقع المقهى، تغير كثيرا. مطعم نزار في اوله اختفى. وكذلك شأن مطعم ابن سمينة في آخره. حلت بدلهما اشياء لا يعرف لها رب. ولم تمض على جلوسي هناك دقائق حتى اشتغلت مولّدة بدا مع ضجيجها ان الحرب قامت. فشرد مجلس وليد عن بكرة ابيه. ودخنا في البحث عن مقهى بديل. وبغداد كريمة مخلصة لا تبخل ولا تخون؟!
وطوال اليوم الذي قضيته مع وليد كنت دائب التحديق في المحنة التي منعت بغداد عنه ومنعته عنها. هو من نوع لا يمكنك تصور كيف يمكن ان يعيش في مدينة أو بلد آخر غير بغداد وغير العراق. لكن ها هو قد امضى منفى أصبح عمره 30 عاما. وثلاثة عقود كثيرة جدا لو تعلمون. واين؟ في كوبنهاكن قرب القطب المنجمد الشمالي!
لكنه بألمعيته كان يخفف عنا تلك الايام. بالمقابل اشك انه كان يفعل ذلك مع نفسه. مرة قال لي انني اغفر لصدام كل ما فعل عدا شيء واحد. وما هو يا وليد؟ كانت الناس تحترم العراقيين يا احمد قبل هذا الرجل، كانت مركتنا بزياكنا، جاء وتسبب بهجرة كل هؤلاء الناس الى العالم فانعرفنا وانفضحنا!
وكنت وزوجتي في مطلع العقد الثالث حين القى القدر بنا الى المنفى. كانت الروح موشكة على عناق بارئها. خاطبنا ساخرا: شدّتها اول 25 سنة!
ماذا ترى اليوم ايها الحبيب؟ هل صارت الشدة عادة؟