بغداد - العالم
في العدد 1406 من جريدة الزمان والصادر بتاريخ 1 مايس 1941 نُشر مقال بعنوان "حول قانون الخدمة المدنية" لمساعدة الموظفين والشباب الطموح.. جاء في المقال:
بالعنوان المتقدم نشرت إحدى الصحف المحلية بتاريخ 29 نيسان مقالًا لأحد الناس أثار به قضية لها أهميتها في حياة الموظف وتأثيرها على المتعلمين العاطلين الذين يسعون للتوظيف فلا يجدون مجالًا لذلك، وقد رأينا أن نعقب على "كلمة أحد الناس" بكلمة نزيد فيها الموضوع بحثًا وتوسيعًا، خدمة صغيرة نؤديها للموظفين والشباب العاطل.
أما خلاصة الموضوع المذكور أعلاه الذي نشرته تلك الصحيفة فهو أن "أحد الناس" يعيب على قانون الخدمة المدنية تقصيره في عدم تطرقه إلى مستقبل الموظف من حيث التقاعد والإكرامية المستقطعة أقساطها من رواتبه الشهرية والتي لا تدفع له إلا عند الفصل بقرار من مجلس الوزراء لاساءة ارتكبها، أو لبلوغه السن القانونية للتقاعد أو عند الوفاة، وبشكل يتناسب ومدة الخدمة التي قضاها في دوائر الحكومة، فإذا ما زادت تلك المدة عن خمسة عشر سنة، تدفع له الحكومة راتبًا تقاعديًا يقدر بثلث الموظف في حال عدم إكماله تلك المدة تدفع له الحكومة كافة المبالغ المستقطعة من راتبه الشهري مرة واحدة، ولكنه يحرم من تلك الحقوق في حالة تركه الخدمة من تلقاء نفسه حتى ولو خدم الحكومة زمنًا لا يقل عن عشرين سنة أو أكثر بالرغم من أن تلك الأموال المستقطعة، هي من راتبه الخاص ونتيجة أتعابه في الدائرة.
وقد سمى هذه القضية التي عرضها على رأي المفكرين وأرباب الكلمة ورجاهم فيها توليتها ما تستحقه من الاهتمام بـ "قضية أموال الموظفين المستقطعة من رواتبهم المسماة بالاستقطاعات التقاعدية واعادتها إلى الموظف المفصول لاساءته إلى الدولة، وعدم اعادتها إلى الموظف المستقيل الذي قد يكون من أحسن موظفي الدولة وأنشطهم" وقد بين مساوئ هذه القاعدة ونتائجها التي منها احجام الموظف الذي يرغب في ترك الخدمة في دواوين الحكومة والاشتغال في أعمال اخرى عن ذلك ما دامت الحكومة ستحرمه حقوقه التقاعدية وفي ذلك سد أبواب الدوائر بوجه الشباب الذين سيحلون محل أمثال هؤلاء الموظفين وهم كثير في الدوائر، ومن هذه المشاكل التي خلقتها القاعدة المذكورة هي تعمد بعض الموظفين الإساءة إلى الدولة ليفصلوا ما دامت هذه الواسطة تمكنهم من الاستئثار بالمبالغ المستقطعة من رواتبهم الشهرية المتمعة لدى الحكومة.
وقد ذكر أمورًا تدارك بها نشوء مشكلة إقدام الكثير من الموظفين على الاستقالة عندما تصبح لديهم مبالغ مرضية لدى الحكومة، في حالة تبديل هذه القاعدة وسنأتي على بيانها فيما بعد.
ونزيد، يدخل الموظف الحكومة وكأنه عقد على الحكومة أو عقدت عليه، فيصبح شريك حياتها وتصبح شريكة حياته، فيذيب شبابه وحيويته بين جدارنها حتى يبلغ من العمر عتيا، وعند ذلك يحال على التقاعد وفي ذلك الوقت يكون الموظف قد سئم تكاليف الحياة ومن لا يسأمها في الستين أو أكثر من عمره، لا سيما حياة كالتي يحياها الموفون في دوائر الدولة، حياة المرارة والألم، حياة السجن والعبودية كصغار الموظفين والتي هي السبب الأكبر في رغبتهم عن الاشتغال في دوائر الحكومة.
ومن هنا نشأ تحديد مستقبل الموظف بين الفصل بقرار من مجلس الوزراء والاحالة على التقاعد لبلوغ السن القانونية والوفاة. وفي هذا ما فيه من الكفاية في تثبيط العزائم وإماتة الهمم والأمل في الحياة في نفوسهم.
في النظام العسكري الذي تتبعه وزارة الدفاع من أفراد الجيش في الخدمة الاختيارية عظة وفيه دليل ما أجدر قانون الخدمة المدنية بالسير بموجبه وفيه ما فيه من ضمان لمستقبل الموظف وراحته وكذلك ضمان مصالح الدولة بالشكل المرغوب. فوق ذلك النظام يوقع الموظف عقدًا لمدة معينة عليه قصاءها في خدمة الدولة وبعدها يحق للموظف ترك الدائرة أو تجديد العقد لمدة اخرى بشرط أن يكون الموظف قد منح مكافأته التقاعدية بأجمعها أم وافق على دفعها له بأقساط شهرية كراتب تقاعدي.
وبهذه الوسيلة تحول الحكومة دون استقالة الموظفين في أوقات غير منتظرة لا رأي للحكومة فيها، وهذا ما اقترحه "أحد الناس" في تدارك المشكلة التي نوهنا عنها آنفاً وهي طريقة جيدة، ضامنة لمستقبل الموظف وعائلته سواء فصل أم لم يفصل، وإننا إذا ما اتبعنا هذه القاعدة في التوظيف لوجدنا العدد الكبير ممن تنتهي عقودهم يتركون الدوائر سنويًا، فاسحين المجال لاناس عاطلين، ينتظرون الفرصة السانحة التي تمكنهم من التعيين.
ثم لماذا تخشى الحكومة "في حالة عدم اخذها بنظام الجيش أي يتوقع عقد مع الموظف" من استقالة الموظفين ودفع اكرامياتهم ما دامت تلك الاكراميات هي من خالص مال الموظف وهل من الجائز تقويم ميزانية الدولة بأموال الموظفين الذين هم أحوج ما يكونون إليها؟؟
إن هذه قضية ولا شك لها أهميتها وتأثيرها الكبيرين على المجتمع،ن مجتمع الموظفين، مجتمع العاطلين، مجتمع ميادين الأعمال الحرة التي سيدخلها الموظفون المستقيلون بما لهم من خبرة ومال، وحقًا أن قضية النظر فيها وحلها بالشكل المرضي عملًا وطنيًا جليلًا حبذا لو سعى في سبيله العاملون وتكلم به نواب الأمة في مجالسهم – على الأقل – والسلام.