بغداد - العالم
قد يتفاجئ القارئ عندما يعرف أن أزمة السكن في العراق، ليست جديدة أبدًا، بل بدأت منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 وربما قبلها. حيث لم تستطع الحكومات تصحيح مسار السكن للمواطن العراقي، برغم الإمكانات والحلول المتوفرة.. ما أسباب إزمة السكن، ولماذا لا تستطيع الحكومات حلّها؟ أسئلة يبدو أنه ستستمر في العراق لأعوام اخرى.
في جريدة العراق، بالعدد 257 والمؤرخ في 2 نيسان 1921، كُتب مقال بعنوان "أزمة المنازل" جاء فيه:
من المشاكل الاقتصادية التي شغلت الناس في السنوات الأخيرة هي أزمة المنازل، إذ ثلاث حاجيات لا يستغني عنها إبن آدم مهما حاول التخلص منها، الغذاء واللباس والمأوى، لذلك ترى أسعار هذه الحاجيات ترتفع شيئًا فشيئًا دون أن يقف أي سد في وجهها وخصوصًا في الحرب العامة وبعدها، فقد ارتفعت أسعارها ارتفاعًا فاحشًا ثم خفضت وطأة الغلاء في الغذاء واللباس نوعًا ما، أما المساكن فلا تزال أزمتها في أشدها.
وفي العدد 259 المؤرخ في 5 نيسان 1921 من الصحيفة نفسها، وُضعت عدة حلول لهذه الأزمة، منها:
أولًا: تفسخ الحكومة مجال البيع للاراضي الأميرية في ضواحي بغداد شرقيها وغربيها.
ثانيًا: يسعى الأهالي بمعاضدة الحكومة في تأسيس بنك عقاري، ليستدين الذين يرغبون في تشييد المباني الجديدة منه، وبذلك تتسهل أمورهم.
ثالثًا: إذا عُمل بهذه الملاحظة وقامت العمارات في أطراف بغداد وسكن تلك الدور اُسر وأشخاص فما يحتاجونه هو استتباب الأمن في تلك الأنحاء.
رابعًا: هذا المشروع الناجح الذي تحتاج إليه البلدة كل الحاجة، لا يكمل بدون توفير أسباب التنقل بسرعة وبأثمان بخسة، ومما نراه حريًا بالعناية لتدارك هذا الأمر وتسهيل المواصلة بين قلب العاصمة وأطرافها هو أن تسعى الحكومة بمد خطوط الحافلة "الترامواي" في طول البلد وعرضها، تتصل بتلك الدور التي ستقام خارجًا عن محيط بغداد الحاضر، وأبعد منها ولا يخفى أن مشروع مد خطوط الترامواي كان قد عنّ لأحد ولاة بغداد في الدور السابق وأعطى امتيازه إلى أحد أفاضل التجار البغداديين، فنرى أنه قد حان حينه لما وصلت إليه أزمة المنازل من الشدة في هذه الأيام، فلا نرى من المندوحة بأخذ هذه الفكرة واخراجها إلى حيز العمل.
أما في عددها المرقم 310 والمؤرخ في 3 حزيران 1921، فقد نشرت الصحيفة مقالًا عنوانه "حول أزمة المنازل، جاء فيه:
كنا قد نشرنا على أعمدة العراق، مقالات بيًنا فيها الطرق الممكنة التي يجب سلوكها، والتدابير المقتضية التي يسهل اتخاذها في كل وقت من الأوقات. فرأينا أن نلخص في هذه العجالة جل ما بيّناه سابقًا من الطرق والتدابير تذكارًا لأولياء الأمور، وامتثالًا للواجب الذي تدعونا إليه المصلحة العامة عسى أن يؤثر التكرار في نفوس الذين يتمكنون من حل هذه المشكلة، فيسارعون إلى إنقاذ المستأجرين من طامة اجور أصحاب الأملاك.
قلنا أولا: إذا أُريد الإسراع في إفراج هذه الأزمة، يجب أن يسن قانون يصرح فيه بكمية الأجور المعتدلة، وينظر فيه إلى حالة المستأجرين أكثر من حالة أصحاب الأملاك، لأن الأولين كثيرون والآخرين قليلون وضرر الخاص أولى من الضرر العام.
ثانيًا: بناء دور على حساب البلدية في جانبي العاصمة وإيجارها للأهلين بأجرة متهاودة حتى تؤثر أجورها على ما يتقاضى منها عن سائر الدور.
ثالثًا: يجب أن تقسم الأراضي التي هي بقرب العاصمة إلى قطعات صغيرة كافية لإنشاء الدور عليها، وتبيعها الحكومة بثمن قليل لأفراد الطبقة الوسطى فما دومها بعد أن يتحقق رسميًا أنهم من المستأجرين وليس لهم دور يأوون إليها، وأن يعتني بأسرع ما يكون بتوفير الوسائط النقلية ولاسيما الخط الكهربائي الذي يجب مده من الأعظمية إلى ديالى وتكثير شعبه، بحسب ما تقتضيه الحال توسيعًا للعاصمة التي لم تصل إلى ما نراه اليوم من ضيق الطريق واعوجاجها إلا لما داهمها من الحريق وفيضان مياه دجلة في السابق مرة بعد اخرى. لكن ذلك وإن احتاج إلى مدة غير يسيره، لكن همة الرجال تقلع الجبال.
ولاشك أن الرأى الأول القاضي بسن القانون للاجور وهو الذي عُمل به في الاستانة وفي مصر سهل التناول وأسرع لحل هذه المشكلة وقتيًا، ويعقبه الثاني القاضي ببناء الدور على حساب البلدية وهو الأوسط، وبعده الثالث وهو الحل النهائي لأن به يشيد من الدور ما يسد عوز الأهالي ولا يكون الطلب عليها أكثر من المتيسر منها كما هي الحالة الآن.
وقد اتصل بنا أن الحكومة العراقية قد أخذت باقتراح البعض بالرأي الأوسط وهو بناء خمسمائة دار على حساب البلدية.
فنقول إذا تم هذا الخبر وبوشر بإنشاء الدور فإنه لمن المخفف وطأة أزمة المنازل إلى درجة لا يستهان بها، ولكن الحال تقتضي أكثر من هذا العدد. وعندنا أن الحكومة لو تسن قانونًا مؤقتًا لتحديد أجور الدور وتباشر ببيه الأراضي الأميريرة المجاورة للعاصمة، وتبني دورًا على حساب البلدية أي أن نأخذ بتطبيق الآراء الثلاثة في وقت واحد، لكانت تفرج الأزمة بأحسن وأسهل وأسرع ما يكون، وليس في ذلك شيء من الصعوبة على الحكومة لأن القانون يسن في اسبوع ومساحة الأراضي لا تستغرق زمنًا يزيد على الشهر الواحد. وبناء دور على حساب البلدية مهما احتاج إلى زمن طويل أو قصير فهو مما يعود على البلدية بالخيرات والسلام على من استهدف الحق وأصاب شاكلة الحقيقة.
أما في عددها المرقم 312 والمؤرخ في 6 حزيران 1921، فقد كتبت الصحيفة نفسها مقالًا بعنوان "معضلة المنازل وحلها" جاء فيه:
لقد أكثر كتّاب هذه الأيام من ذكر أزمة المنازل، فجردوا أقلامهم المؤهفة وحملوا حملة شعواء على أصحاب الدور ونددوا بجشعهم وطمعهم في رفع إيجار المنازل إلى درجة لا تطاق، بحيث أصبح الكثيرون من المستأجرين لا حول لهم ولا طول، على دفع تلك الأجور الباهظة، فاضطر والحالة هذه على أن يقيم كثير من الأسر معًا، حتى أن أغلب دور المتوسطين والفقراء باتت مزدحمة بالساكنين وأي ازدحام وهذا مما ينافي شروط الصحة ويولد الأمراض الوبيلة بين الأهلين.
قام نفر من الكتّاب كما سبق الكلام وانتصروا للفئة الضعيفة المغلوبة على أمرها. غير أن قيامهم لم يجد نفعًا إذ ذهبت أقوالهم وآراؤهم أدراج الرياح. فرأيت أن أكتب النبذة التالية في تشخيص الداء ووصف الدواء لعلي أستطيع أن أعرض رأيًا في حل حل معضلة المنازل التي أسسن أعقد من ذنب الضب في نظر الكثيرين من أهالي بغداد.
لقد أجمع رأي الحكماء على أن لكل داء دواء، وهذه حقيقة راهنة لا تحتاج إلى دليل أو برهان، فمعضلة المنازل في بغداد هي قلتها بالنسبة إلى عدد نفوس سكانها وحلها هو بناء دور جديدة في ظاهر المدينة وضواحيها، حيث أسباب العيش الميسورة أكثر من غيرها، وقد شعر بذلك عقلاء البغداديين وأرادوا أن يتلافوا ضيق المنازل قبل بضع سنوات فتضافروا واشتروا أكثر من ثلثي بسان الكونت جبرائيل أثفر الواقعة في كرد الباشا – أبي نؤاس حاليًا - وقسموها إلى مئة وخمسين دارًا واتساع كل دار منها ثلاثمائة متر مربع، وهذه المحلة مهندسة على الطراز الحديث، تخترقها جادة فسيحة مستقيمة وعلى طرفيها النخيل وأشجار الأثمار، ولكل أربع دور زقاقان عرض كل منهما خمسة أمتار، يفصلانها عن غيرها من الدور، وصورة هندسة هذه المحلة مستحدث لا مثيل لها في كل أنحاء العراق، هذا وبينما كان أصحابها يتحفزون للبناء داهمتهم نكبة الحرب العامة وأقعدتهم عن سعيهم الحميد، غير أنهم قد هبوا اليوم من رقادهم وشرعوا في تخطيط مواقع دورهم التي عفت آثارها وعن قريب يشرعون في تعميرها والسكنى فيها. وقد بلغ مسامعنا أن أصحاب حصص الناظمية والقيارة في نيتهم أن يحذوا حذو أصحاب المحلة الجديدة في بستان أصفر، فإذا تم تكثير المنازل في ضواحي بغداد فيضطر الملاكين إلى تخفيض أجور دورهم فتكاد أن تعود إلى ما كانت عليه قبلًا.
يتصور البعض أن في هذا المشروع عقبتان، وهي الأمنية والمواصلة، فأجيب أن الحكومة لا تزال ساهرة على راحة الأهلين ورفاهيتهم فهي لا تضن عليهم بإقاةم مخافر بالقرب من محلاتهم لتحافظ على أرواحهم وأموالهم وتقمع بيد من حديد كل من تجرأ على العيث في الأرض فسادًا، وأما الذهب والإياب فيكون بالسيارات والعربات، هذا وإذا تضافر حماعة من الناس على عقد شركة تنقل الركاب من بغداد إلى ضواحيها بأجور معتدلة زالت هذه العقبة بتاتًا، ومن لا يقدر على دفع اجرة الركوب فعليه أن يسير إلى محل إقامته مشيًا كما يفعل الكثيرون في كل مساء، فإننا نرى زرافات ووحدانًا يذهبون للتنزه ويقضون ساعة أو ساعتين سيرًا وهم لا يشعرون بالتعب.
فإلى السكنى في ضواحي المدينة أدعوكم اخواني البغداديين فإن فوائدها لا تعد ومنافعها لا تستقصى فإذا فعلنا ذلك يضطر أصحاب الأملاك إلى تخفيض الأجر فيحصل الغرض المطلوب بدون تدخل أحد في الأمر.