بغداد _ العالم
مع انتهاء العام الدراسي وبدء العطلة الصيفية، يجد آلاف الأطفال في العراق أنفسهم أمام ساعات طويلة من الفراغ، وسط مخاوف تربوية متزايدة من تحوّل هذه الإجازة إلى فترة يقضيها الأبناء أمام الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية، بما يحمله ذلك من آثار سلبية على النمو الفكري والاجتماعي والنفسي.
ويرى مختصون في التربية أن العطلة الصيفية لا ينبغي أن تكون مجرد فترة للراحة من الدراسة، بل فرصة مهمة لإعادة اكتشاف قدرات الأطفال وتنمية مواهبهم وتطوير مهاراتهم الحياتية، من خلال برامج وأنشطة متنوعة توازن بين الترفيه والتعلم.
وتؤكد التربوية سلوى المراياتي أن الأسرة تمثل الحلقة الأهم في توجيه الأبناء خلال الإجازة الصيفية، مبينة أن غياب التخطيط المسبق يجعل الأطفال يقضون معظم أوقاتهم في استخدام الهواتف أو متابعة المحتوى الإلكتروني دون هدف واضح.
وتشير إلى أن تنظيم الوقت عبر وضع جدول أسبوعي يتضمن أنشطة تعليمية ورياضية وثقافية ودينية يسهم في استثمار العطلة بصورة إيجابية، كما يساعد الطلبة على الحفاظ على جاهزيتهم الذهنية للعام الدراسي المقبل. وتضيف أن النشاطات الصيفية لا تحتاج بالضرورة إلى إمكانات مادية كبيرة، بل يمكن للأسرة أن توفر بيئة محفزة داخل المنزل من خلال القراءة والألعاب التعليمية والأنشطة الفنية المختلفة. في المقابل، تواجه الكثير من العائلات صعوبات اقتصادية تحد من قدرتها على توفير برامج ترفيهية أو رحلات سياحية لأطفالها. وتقول نور إسماعيل، وهي أم لعدد من الطلبة، إن أبناءها يطالبون باستمرار بالخروج أو السفر أو المشاركة في فعاليات مختلفة، إلا أن الظروف المعيشية تجعل تلبية هذه الرغبات أمراً صعباً في كثير من الأحيان. وتوضح أن هذا الواقع يدفع الأطفال إلى قضاء أوقات طويلة داخل المنزل، حيث تصبح الهواتف الذكية الخيار الأسهل لملء الفراغ، رغم إدراك الأسرة للآثار السلبية المترتبة على الاستخدام المفرط لها. ويؤكد مختصون أن المشكلة لا تكمن في قلة الإمكانات المادية فحسب، بل في غياب التخطيط لاستثمار الوقت، إذ يمكن للأنشطة المنزلية البسيطة أن تحقق نتائج تربوية مهمة إذا ما نُظمت بصورة صحيحة. وتبرز القراءة كواحدة من أهم الأنشطة القادرة على تنمية شخصية الطفل خلال الإجازة الصيفية.
وتقول المرشدة الاجتماعية سجى عدنان إن البرامج الصيفية التي تنظمها المؤسسات التربوية والثقافية والدينية توفر فرصاً مهمة للأطفال لتطوير قدراتهم المعرفية والاجتماعية.
وتوضح أن القراءة اليومية تساعد الطفل على تنمية المفردات اللغوية وتحسين مهارات التعبير والتواصل، فضلاً عن توسيع مداركه الفكرية وتعزيز خياله.
وتنصح بتخصيص ساعة يومية للمطالعة الحرة، مع تشجيع الأطفال على تلخيص القصص أو مناقشة أحداثها أو رسم شخصياتها، بما يحول القراءة إلى نشاط ممتع ومحبب بعيداً عن أجواء الدراسة التقليدية. ولا يقتصر استثمار العطلة الصيفية على الجوانب التعليمية فقط، بل يمتد إلى تنمية مهارات الحياة اليومية التي يحتاجها الطفل في مستقبله. فالكثير من الأسر باتت تحرص على إشراك أبنائها في أعمال منزلية بسيطة مثل ترتيب الغرف والعناية بالنباتات والمساعدة في إعداد بعض الوجبات الخفيفة.
وتقول رجاء العامري، وهي أم لثلاثة أطفال، إن هذه النشاطات تعلم الأبناء تحمل المسؤولية وتعزز لديهم قيم التعاون والاعتماد على النفس. كما تسهم في بناء الثقة بالنفس وإشعار الطفل بأهميته داخل الأسرة، فضلاً عن إكسابه خبرات عملية تبقى معه لسنوات طويلة. ويؤكد تربويون أن الرسم والأشغال اليدوية وصناعة المجسمات والتجارب العلمية البسيطة تمثل أدوات فعالة لتنمية التفكير الإبداعي لدى الأطفال. كما أن التطور التكنولوجي أتاح مجالات جديدة يمكن استثمارها بصورة إيجابية، مثل تعلم أساسيات البرمجة وتصميم الفيديوهات وصناعة المحتوى الرقمي التعليمي. ويرى مختصون أن هذه المهارات لم تعد مجرد هوايات، بل أصبحت جزءاً من متطلبات المستقبل، ويمكن أن تسهم في اكتشاف مواهب الأطفال وتوجيهها نحو مسارات مهنية واعدة.
وتظل الرياضة عنصراً أساسياً في أي برنامج صيفي متوازن، لما لها من دور في تعزيز الصحة البدنية والنفسية.
فالسباحة وركوب الدراجات والألعاب الجماعية تساعد الأطفال على تفريغ طاقاتهم بصورة إيجابية، كما تنمي لديهم روح التعاون والعمل الجماعي.