متابعة : ايمان فارس
في هذه التجربة التشكيلية المؤثرة يقدم الفنان علي شريف الصرايفي عملا ينهض على استحضار الذاكرة الروحية والوجدانية الاسلامية عبر مقاربة بصرية ذات طابع انطباعي تعبيري اذ لا يذهب الى تصوير الحدث التاريخي بصورة مباشرة او سردية تقليدية بل يعمد الى بناء المشهد من خلال اثر الفاجعة في النفوس وهو ما يمنح اللوحة بعدا انسانيا وجماليا بالغ العمق ، تحمل اللوحة عنوانا بالغ الشحنة العاطفية (من لليتامى بعدك) وهو عنوان لا يعمل بوصفه توصيفا للحدث فحسب بل بوصفه مفتاحا تأويليا يفتح افق التلقي على سؤال الفقد والعدالة والرحمة الانسانية التي كانت تتمثل في شخصية الامام ((علي بن ابي طالب عليه السلام)) فالفنان لا يرسم الامام ذاته وانما يرسم الفراغ الهائل الذي خلفه غيابه وهنا تتجلى احدى اهم البنى المفاهيمية في العمل وهي ثنائية الحضور والغياب فالأمام حاضر روحيا واخلاقيا في كل تفصيل من تفاصيل اللوحة رغم غيابه الجسدي عنها .
اعتمد الفنان اسلوبا انطباعيا تعبيريا واضح السمات اذ جاءت الضربات اللونية حرة ومتكسرة ومشحونة بانفعال داخلي مبتعدة عن الصرامة الاكاديمية في الوصف لتقترب اكثر من التعبير النفسي والوجداني فاللون هنا لا يؤدي وظيفة تسجيلية بقدر ما يؤدي وظيفة شعورية اذ تتسيد الالوان الترابية والرماديات والدرجات البنية الداكنة فضاء اللوحة لتؤسس مناخا حزينا مشبعا بالإحساس بالفقد والحداد كما ان التدرجات الضوئية الخافتة توحي بان المدينة باسرها تعيش لحظة انكسار روحي بعد الضربة الغادرة التي تعرض لها الامام في محراب الكوفة ، فمن الناحية البنائية اختار الفنان ان يجعل الطفل الواقف في مركز التكوين محورا بصريا ودلاليا للعمل حيث تتجه اليه العين مباشرة وقد جاءت ملامحه محملة بقدر كبير من البراءة المصدومة والحزن الصامت فيما يبدو اناء اللبن الذي يحمله وكأنه رمز للطهارة والعجز الانساني في آن واحد فهو يحمل محاولة الانقاذ لكنه يحمل ايضا ادراكا مبكرا للمأساة ان هذا الطفل لا يمثل يتيما بعينه بل يتحول الى ايقونة انسانية جامعة تختصر معنى الفقد لدى جميع المحرومين والمستضعفين ، كما ان بقية الشخصيات لم ترسم بوصفها افرادا مستقلين بقدر ما ظهرت ككتلة شعورية متماسكة تتقاسم الوجع ذاته ، الوجوه متعبة والعيون قلقة ، والخطوط اللونية الحادة نسبيا حول الملامح تمنح الشخصيات توترا دراميا عاليا ويبدو واضحا ان الفنان اراد ان يجعل من الجماعة الشعبية شاهدا بصريا على الفاجعة بحيث تتحول اللوحة الى مرثية جماعية اكثر من كونها مشهدا تاريخيا
اما الخلفية المعمارية التي تلوح فيها قباب ومآذن الكوفة بصورة شبه ضبابية فقد جاءت معالجة بطريقة تختزل المكان دون ان تشرحه مباشرة وكأن المدينة نفسها تتحول الى ذاكرة باكية وهذا التوظيف الذكي للعمق الخلفي منح اللوحة بعدا روحيا اذ بدا المكان غارقا في ضوء متآكل اقرب الى الحلم او الاستذكار التاريخي ، وهنا تكمن قوة هذا العمل في نجاحه في استحضار اللامرئي عبر المرئي فالفنان لم يرسم لحظة الضربة ولم يرسم (الامام علي عليه السلام) لكنه استطاع عبر اثر الحدث على الايتام والناس ان يجعل المتلقي يرى الفاجعة بعين القلب وهذا ما يمنح اللوحة قيمة جمالية معاصرة تتجاوز السرد الحكائي المباشر نحو بناء دلالة رمزية وانسانية مفتوحة .
على مستوى التلقي استطاعت اللوحة ان تحقق حضورا مؤثرا في الوسط التشكيلي البصري لأنها جمعت بين البعد العقائدي والبعد الانساني والجمالي دون الوقوع في المباشرة الخطابية او التقريرية فهي تستثمر الذاكرة الدينية لا بوصفها خطابا وعظيا بل بوصفها مادة جمالية قابلة للتحويل التشكيلي وهو ما يحسب للفنان من حيث قدرته على المواءمة بين الحس الروحي والبناء الفني المعاصر، ان لوحة (من لليتامى بعدك) ليست مجرد تسجيل بصري لحادثة تاريخية بل هي بناء تعبيري يستنطق الالم الانساني العابر للأزمنة ويحول مأساة استشهاد (الامام علي عليه السلام) الى سؤال بصري مفتوح عن العدالة والرحمة واليتم والفقد ومن هنا تنبع قيمتها الفنية والوجدانية معا بوصفها عملا استطاع ان يلامس المتلقي من الداخل وان يجعل الحزن نفسه مادة جمالية نابضة بالحياة .