بغداد ـ العالم
في أحد أركان قضاء عانة غربي محافظة الأنبار، ما زالت أنامل الحرفيين تنسج خيوط الصوف الملونة لتروي حكاية صناعة عريقة صمدت أمام الحروب والتغيرات الاقتصادية وتحديات الزمن. فمعمل السجاد اليدوي، الذي يعد من أبرز المعالم الإنتاجية والتراثية في المحافظة، تمكن من استعادة نشاطه بعد سنوات من التوقف والأضرار التي خلفتها عصابات داعش الإرهابية، لكنه يواجه اليوم تحدياً لا يقل خطورة يتمثل في تناقص أعداد الحرفيين وغياب الأجيال الشابة القادرة على حمل إرث هذه المهنة واستمرارها.
ويُنظر إلى المعمل بوصفه أكثر من مجرد منشأة إنتاجية، إذ يمثل جزءاً من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، ومعلماً يحافظ على واحدة من أقدم الصناعات اليدوية التي اشتهرت بها محافظة الأنبار على مدى عقود طويلة.
ويقول قائممقام قضاء عانة، رضوان ذيب نزال، إن معمل السجاد اليدوي يشكل إرثاً صناعياً وحرفياً مهماً للمحافظة، لما يمثله من قيمة تاريخية واقتصادية في الحفاظ على الصناعات التراثية التي تعكس هوية المنطقة وأصالتها.
ويضيف أن المعمل استطاع استعادة جزء كبير من نشاطه الإنتاجي بعد الأضرار التي تعرض لها خلال فترة سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مناطق واسعة من محافظة الأنبار، مشيراً إلى أن عمليات التأهيل والإعمار أسهمت في إعادة تشغيل خطوط الإنتاج واستئناف العمل داخل الورش الحرفية.
ويؤكد نزال أن استمرار عمل المعمل يمثل رسالة مهمة تؤكد قدرة المؤسسات الإنتاجية المحلية على النهوض مجدداً رغم التحديات، لاسيما أن صناعة السجاد اليدوي تعد من الحرف التي تتطلب خبرة طويلة ومهارات خاصة يصعب تعويضها بسهولة.
ورغم عودة النشاط إلى المعمل، إلا أن مشكلة نقص الملاكات البشرية باتت تمثل التحدي الأبرز أمام استمراره وتطويره.
ويشير نزال إلى أن عدداً كبيراً من الحرفيين ذوي الخبرة أحيلوا إلى التقاعد خلال السنوات الأخيرة بعد بلوغهم السن القانونية، الأمر الذي أدى إلى تراجع أعداد العاملين بشكل ملحوظ، في وقت لم يتم فيه تعويض هذه الخبرات بكوادر جديدة.
ويضيف أن المعمل بحاجة إلى استقطاب طاقات شابة وتدريبها على أسرار هذه المهنة الدقيقة، ليس فقط لزيادة الإنتاج، بل أيضاً للحفاظ على الخبرات المتراكمة التي يحملها الحرفيون القدامى ونقلها إلى الأجيال اللاحقة قبل ضياعها.
ويرى مختصون أن هذا التحدي لا يقتصر على معمل عانة فحسب، بل ينسحب على العديد من الصناعات التراثية في العراق التي تعاني عزوف الشباب عن العمل الحرفي نتيجة محدودية فرص التطور الوظيفي وضعف الحوافز المالية مقارنة بقطاعات أخرى.
إلى جانب نقص الأيدي العاملة، يواجه المعمل تحديات أخرى تتعلق بتوفير المواد الأولية والمستلزمات الإنتاجية الضرورية، فضلاً عن الحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتأمين معدات وأدوات حديثة تسهم في تحسين جودة المنتج وزيادة قدرته التنافسية في الأسواق المحلية.