وليد فارس
ما تعلمناه على مدى السنين في السياسة الأميركية هو أن الـ100 يوم الأولى من حكم إدارة جديدة مخصصة لرسم صورة للرأي العام. فما هي طبيعة السياسات المتوقعة خلال الأعوام الأربعة التالية وفي الـ100 يوم الأولى؟. الواقع الأول هو محاولة تنفيذ البرامج الانتخابية خلال العام الماضي التي سمعها الناخب لأشهر، والثانية هي الحدود الطبيعية لأهداف الحملة الانتخابية بعد تسلم الإدارة الجديدة السلطة في البيت الأبيض ومختلف الوزارات.
وإدارة ترمب الثانية ستواجه الآلية نفسها، فالمبدأ يبقى قائماً، ورأينا ذلك في الأقل منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، مع إدارة جورج بوش الأب وفترة رئاسة بيل كلينتون وبعدها فترة بوش الابن، ومن هناك إلى ثمانية أعوام للرئيس باراك أوباما، وأربع سنوات أولى للرئيس المنتخب دونالد ترمب، فأربع سنوات لجو بايدن، والآن بداية عهد رئاسي ثانٍ للرئيس ترمب.
وفي كل مرة تنتقل السلطة من فريق سياسي إلى آخر، ومن رئيس إلى آخر تأتي الـ 100 يوم، لنلخّص أن هناك ما تريده أية إدارة جديدة وهناك الوقائع العالمية.
فلنحاول استشراف ما يمكن أن يكون في الـ 100 يوم الأولى لإدارة ترمب، وما هي المواقف الأساسية التي اتخذتها قيادته خلال حملته الانتخابية من ناحية، والحدود التي يمكن أن تتبدل في التصورات، وتفرز أمراً واقعاً ما بين الوعود الانتخابية من ناحية، والحال الدولية والإقليمية والداخلية من ناحية أخرى، وهناك الملفات الخارجية وما يرتبط بها في السياسة الداخلية.
أولاً سنعرض بسرعة الحدود التي ستقوم على وعود حملة ترمب.
أولاً، إقفال الحدود أمام المهاجرين غير الشرعيين من ناحية، وملف الذين دخلوا. فالمبادرة أن يتم إخراجهم إلى خارج الحدود وربما إعادة السماح لهم بالدخول ببرامج قانونية. ومما لا شك فيه أن إدارة ترمب الثانية ستركز في أيامها الأولى أو الأسابيع الأولى على معركة الحدود، مما يعني أنها ستعلن الجهود لإقفال هذه الحدود في ولايات عدة، بخاصة مع المكسيك، مما يعني زيادة القوات الأمنية والإدارات التي تهتم بحماية الحدود ومنع المهاجرين غير الشرعيين والسماح للمهاجرين الشرعيين بالدخول. هذه المرحلة قد تكون أسهل من المرحلة الثانية بالنسبة إلى إدارة ترمب الآتية. لماذا؟، لأن السلطة الجديدة لها أجهزة قادرة. في الماضي، ما أقلق الرأي العام حول مسألة حماية الحدود كان السياسة التي اعتمدتها إدارة أوباما، ولم تكُن تتعلق بعدم قدرة الولايات المتحدة اللوجستية والأمنية، بل كانت أوامر تأتي من البيت الأبيض تطلب من السلطات على الأرض أن تعترض دخول هذه الجماعات الكبيرة. ولو كانت هناك أوامر بعدم السماح، لما حصل دخول كبير من هذا النوع إذ إن في الولايات المتحدة اليوم أكثر من 10 ملايين من المهاجرين غير الشرعيين، وربما تكون الأعداد أكبر من ذلك. والمرحلة الأولى ستكون بإعلان من البيت الأبيض والوزارات المعنية أن المهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا، تحت أي ظرف، بطريقة غير شرعية أراضي الولايات المتحدة، سيتم الإمساك بهم. إن القرار الوحيد هو إخراجهم إلى خارج هذه الحدود بطريقة أو بأخرى، وثانياً ستبدأ الإدارة بالعمل مجدداً على ما يسمى "الجدار الحدودي".
وسترى الإدارة الجديدة ما بإمكانها أن تصوره للجمهور على أنها ستعود لبناء الجدار واستكماله، وثانياً على منع المهاجرين غير الشرعيين من الدخول، وانتشار أوسع لقوات حرس الحدود، وربما يتم استعمال ألوية الحرس الوطني في كل الولايات المحاذية للحدود مع المكسيك. وهذا الرئيس سيحصل على صور يمكن استخدامها في الإعلام وإعلان النجاح في ثلاثة أشهر كمرحلة أولى.
أما المشروع الثاني، فهو يتعلق بإعادة نقل المهاجرين غير الشرعيين إلى خارج الحدود. وهذه المرحلة لن تكون لها نتائج مباشرة، ولكن ستكون هناك مواقف للأجهزة التي ستعالج هذا الموضوع، وأهمها إعلان بيانات مفصلة حول كيفية توجه هؤلاء غير الشرعيين للتسجيل لدى مراكز الهجرة ومراكز الشرطة، مما يعني أنه ستكون هناك جهود كبيرة وبيانات كبيرة تسبق عملية إخراج المهاجرين، وهنا سوف يكون التحدي أكبر على صعيد معركة ضبط الحدود ومعالجة الهجرة غير الشرعية.
وفي الملفات الخارجية يبدو أن هناك سباقاً بين كل هذه الملفات، وكتبنا في الماضي أن الأولويات من الممكن أن تحصل في الوقت نفسه، إلا أن إدارة ترمب حددت أهمية هذه الأولويات بالنسبة إلى الأمن العالمي.
وقد نرى تنفيذ البرنامج الدبلوماسي للرئيس ترمب إلى جانب محاولة إنهاء الحرب في أوكرانيا، وكما ذكرنا سابقاً أن الأولوية في تلك السياسة الجديدة ستكون في التوصل إلى وقف إطلاق النار، وربما أن بعض هذه المفاوضات قد حدث بوساطة عبر جرعات، ولكن بصورة غير رسمية بين فريق ترمب وروسيا وأوكرانيا. والهدف الأول هو التوصل إلى إعلان مشترك، ليس من الواضح إذا كان بحضور الزعماء أو عدم حضورهم، ولكن هذا الإعلان المشترك إلى وقف العمليات العسكرية وإطلاق النار على الحدود بمثابة بداية للمفاوضات وليس نهاية لها.