70 حكاية شعبية بحلة سردية جديدة في “الأرانب الحجرية”

هيئة التحريرمنذ 9 دقائقآخر تحديث :
70 حكاية شعبية بحلة سردية جديدة في “الأرانب الحجرية”

نشوة أحمد

في كتاب “الأرانب الحجرية/ 70 حكاية خرافية” (الدار المصرية اللبنانية)، يعمد الكاتب عمار علي حسن إلى إعادة كتابة حكايات من التراث الشفهي المصري، ساعياً إلى حفظ هذا الموروث الحكائي من الاندثار، في ظل تراجع قدرته على الصمود والانتقال من جيل إلى جيل، ويتلمس من خلاله طريقاً للأصالة المتآكلة، نتيجة تطور الذكاء الاصطناعي وتزايد الاعتماد عليه، ولا سيما في مجال الكتابة والأدب. ويتيح عبر ما يوثقه من مخيال شعبي رافداً مهماً للواقعية السحرية ببصمة مصرية خالصة، تسمح باستلهامها وإعادة تشكيلها في السرد الأدبي المعاصر.

يوكل الكاتب مهمة الحكي في حكاياته الـ70 لراوٍ عليم، ما يلبث أن يتكشف انتماؤه الجغرافي والوجداني للفضاء القروي ذاته الذي تدور فيه الأحداث، مما يضفي طبقة من الألفة والحميمية على السرد، تثمرها المعايشة، من دون التأثير في موضوعية الراوي، أو دفعه إلى تبني موقف محدد من غرائبية الحكايات.

يحظى الجان في الموروث الشعبي بحضور قوي، إذ يحوله الحكي من مجهول يعجز الإنسان عن رؤيته، أو تفسيره، أو السيطرة عليه، إلى شريك فاعل يمكن الخوف منه، أو التحذير من الاتصال به، ويجعل منه شخصية مرنة، قد تكون شريرة، أو طيبة، أو مخيفة، أو ساخرة، أو عاشقة، أو مساعدة. وفي غالب الحكايات الخرافية التي شكلت متن الكتاب، يعبر الجان والمردة من عوالمهم اللامرئية إلى عوالم البشر المادية، فيتجلون أطيافاً، أو يتجسدون في هيئة بشرية، أو في صورة مخلوقات أخرى مثل الحيوانات، أو يتسللون إلى الجسد الإنساني فيتلبسونه ويفرضون سطوتهم عليه.

وكما تستدعي الحكايات كائنات العوالم الخفية، فإنها تستحضر كذلك السحر والأفعال الخارقة، ليتجاور اليومي والخارق، والواقعي والماورائي. وتتلاشى الحدود التي تفصل بين الغيبي والملموس. ويلجأ الكاتب إلى تقنيات الوصف ليمنح نصوصه ثراء بصرياً قادراً على استثارة المخيلة. ولا يكتفي بوصف الشخصيات البشرية، والفضاءات المكانية التي تدور خلالها الأحداث، وإنما يسهب في وصف الكائنات والعوالم الخفية، لينقلها من إطار الفكرة المجردة إلى الصورة القابلة للتشكل في خيال القارئ، مبرزاً التقابل بين الغريب والمألوف، ومعززاً في الوقت ذاته قابلية التصديق: “لاحت هناك أرض منبسطة ومستوية، بيضاء كالطلع، تقف فيها أشجار باسقة لم يَرَ لها مثيلاً من قبل، أوراقها مدببة كسعف النخيل، لكنها ليست بنخيل، وجذوعها مستوية كأنها أعمدة رخام ضخمة، ترفرف بين أغصانها وحولها طيور عجيبة، تحط على جداول رائقة فتخطف بمناقيرها الحمراء ماء ثم تعود” (ص 54).

تتباين طبائع الكائنات الخارقة في الحكايات الـ70 بين الخير والشر. وبينما تتسم بعض علاقاتها بالبشر بالتناغم، يهيمن على معظمها الصراع، إذ يحاول كل طرف فرض سيطرته وسطوته على الآخر، واستغلاله لتحقيق مآربه. وفي بعض الحكايات تتحول العلاقة مع العوالم الخفية إلى أساليب زائفة، يستغلها البشر للاحتيال على بعضهم بعضاً. ويسهم هذا الصراع الذي يندلع بين الإنس والجن، وكذلك بين البشر وبعضهم بعضاً، في كسر سكونية السرد وتطوير الحبكة وتصاعد الأحداث، على نحو يعزز من ترقب القارئ وتورطه بالنص: “هرع أحدهم إلى الداخل وأحضر فوطة يمسح بها الدم الذي كان لا يزال غزيراً ويلطخ ملابسه. ضحكات عالية تنهمر من المنور وترن كطرقات قوية على أوان نحاسية.

 

وجاءهما صوت: هذا جزاء من يسرق مكاناً أسكنه” (ص293). كذلك يتجلى الصراع الداخلي كاشفاً عن تعقيد النفس البشرية، ومضيئاً تناقضاتها، ومشاعرها المتشابكة والمراوحة ما بين حب وخوف وحقد وإشفاق وطمع وتردد وتمنع واشتهاء: “تركته مخطوفاً من نفسه، يتقلب على جمر، لا يعرف كيف ستكون لياليه القادمة، حين يبقى موزعاً بين خوف وإرادة، وشغف واشتهاء” (ص155). ويقود الصراع بين الشخوص أو في دواخلها إلى شبكة متشعبة من التحولات الزمكانية، يوظف الكاتب بعضها في بناء عوالم عجائبية، ويحقق عبرها ديناميكية السرد، ويستثمرها في دعم التشويق وتوليد المفاجآت.

فالعجوز تستعيد شبابها، والأرانب تستحيل أحجاراً، والفقير يغدو ثرياً يرفل في النعيم. والجني يتشكل في هيئة بشرية وحيوانية، والإنسان يصبح شيطاناً، والضعيف يمتلك قوة فتاكة، والقوي يصبح ضعيفاً، والصحيح يغدو مريضاً، والمريض يستعيد صحته، فيما تتبدل المشاعر والحالات النفسية للشخوص بين الحزن والفرح، والطمأنينة والفزع، والشجاعة والجبن: “داخله خوف، ربما هذه المرة الأولى التي يعرف طعمه في حياته، وهو المشهور بين الناس بأنه صاحب القلب الميت، حتى يظن البعض أن هناك من نزع تلك المضغة اللينة التي تضخ الدم في الشرايين والأوردة، والمشاعر في النفس، ووضع مكانها حجراً صلداً” (ص24).

يواصل الكاتب استحضار الصورة والحركة على طول خط السرد، من خلال توظيف عديد من التقنيات السينمائية، فيشرع بعض المشاهد بلقطات تأسيسية يقدم عبرها جغرافية عامة للمكان الذي يدور فيه الحدث، سواء كان واقعياً مثل فضاءات القرية، وحقولها، وشوارعها، أو سحرياً ينفتح على العوالم الخفية. ومن اللقطات التأسيسية ينتقل إلى لقطات مقربة تركز على الموضوع، فيتجلى خلالها الجمر الذي يتساقط من عيني الخروف، وأقدام الماعز التي يمتلكها جن متشكلين في هيئة بشرية، وسبائك الذهب والمجوهرات الثمينة بجوف السرداب، والذئب الضخم على الجانب الآخر من الترعة، والجني الساجد خلف العجوز المصلية.

 

وعبر رصده لتفاصيل الفضاء السردي، وانتقاله من اللقطات العامة للقطات الكبيرة والمقربة، تتجلى عين الكاميرا التي تمضي في حركة متصلة تضفي على السرد مشهدية وحياة، ويعمد إلى استدعاء تقنية الفلاش باك لاسترجاع أحداث تسبق زمن الحكي: “وانفتح باب الذكريات فوجدها أمامه، كانت فتاة بدوية ظهرت أمامه فجأة وهو يمشي جوعاًناً وعطشاناً في الصحراء” (ص155). ويستثمر التقنية ذاتها في نسج تفريعات حكائية تتناسل عبرها الحكايات. كذلك يتجاوز الكاتب الوصف الساكن، فيعمد إلى بناء مشاهد مأهولة بمؤثرات بصرية، تحاكي ما تستخدمه السينما من حيل وخدع بصرية وصوتية، محفزاً لدى المتلقي ذاكرة تحتفظ عادة بمثل تلك المؤثرات التي تتجلى في الأضواء المبهرة، الأصوات المنبعثة بلا مصدر في الفراغ، دوائر الدخان التي تسبق ظهور الجني أو تعقب اختفاءه، وكذلك الظهور اللمحي، والتحول الشكلاني من هيئة إلى أخرى.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!