الخزف العراقي.. من أفران الرافدين إلى ذاكرة الفن الحديث

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الخزف العراقي.. من أفران الرافدين إلى ذاكرة الفن الحديث

بغداد – العالم

لم يكن الطين في العراق القديم مجرد مادة تستعمل في صناعة الأواني والأدوات اليومية، بل تحول منذ آلاف السنين إلى وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الإنسان والبيئة والمعتقد. فمن بين أصابع الحرفيين، خرجت قطع خزفية حملت ملامح الحضارات التي تعاقبت على أرض الرافدين، لتصبح اليوم جزءاً من سجل فني وثقافي طويل يمتد من أفران المدن القديمة إلى تجارب الفنان العراقي الحديث.

وتكشف المكتشفات الأثرية في بلاد الرافدين عن حضور مبكر لفنون الفخار والخزف، إذ استخدم سكان المنطقة الطين المتوافر بكثرة لصناعة الأواني والألواح والأشكال المختلفة. ومع تطور التقنيات، لم تعد القطعة الخزفية تؤدي وظيفة عملية فقط، بل أصبحت تحمل زخارف ورموزاً وأشكالاً تعكس البيئة الاجتماعية والفكرية للحضارات العراقية القديمة.

وفي بغداد ومدن العراق الأخرى، استمر حضور الحرفة الخزفية عبر أجيال متعاقبة، وظل الصانع يعتمد على النار والماء والطين لصناعة القطعة وتحويلها من مادة خام إلى شكل يحمل قيمة جمالية. وبينما تبدلت الأدوات وأساليب الإنتاج، بقيت العلاقة بين الفنان والمادة قائمة على الصبر والدقة والمعرفة المتوارثة.

وفي القرن العشرين، دخل الخزف العراقي مرحلة جديدة مع ظهور تجارب فنية حديثة حاولت أن تنقل الخزف من حدود الحرفة التقليدية إلى فضاء الفن التشكيلي. وبرز فنانون عراقيون تعاملوا مع الطين بوصفه مادة للتجريب والتعبير، مستفيدين من الموروث الرافديني والعلامات والرموز الشعبية، لكنهم أعادوا صياغتها ضمن لغة فنية معاصرة.

ولم يعد العمل الخزفي مجرد إناء أو قطعة للاستخدام، بل أصبح مساحة للتكوين واللون والملمس والرمز. فالسطح الخزفي يمكن أن يتحول إلى لوحة، والكتلة الطينية إلى بناء بصري، فيما تمنح النار العمل شكله النهائي، وكأنها تشارك الفنان في صناعة النتيجة.

 

وتكمن خصوصية الخزف العراقي في هذا الحوار بين الماضي والحاضر. فالفنان المعاصر لا يعود إلى التراث بهدف استنساخه، وإنما يستلهم منه إشاراته وذاكرته، ثم يمنحها شكلاً جديداً يتناسب مع أسئلة الإنسان المعاصر.

وبينما تتغير أدوات الفن وتتوسع تقنياته، يبقى الطين محتفظاً بقدرته على سرد الحكاية. فمن أفران الرافدين القديمة إلى قاعات الفن الحديث، يواصل الخزف العراقي رحلته، حاملاً في طياته ذاكرة أرض كانت فيها الحضارة تُكتب أحياناً بالحبر، وأحياناً أخرى بالنار والطين.

وهكذا لا يبدو الخزف مجرد فن قديم بقي على قيد الحياة، بل يبدو واحداً من الخيوط التي تصل العراق الحديث بماضيه البعيد؛ خيطاً من طين ونار، لكنه يحمل ذاكرة حضارة كاملة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل !!