إبراهيم العريس
من بين عشرات، وربما مئات الكتاب الذين عرفت هوليوود كيف تضمهم إلى حظيرتها فتستفيد من كتابتهم ومكانتهم وشهرتهم، وتغرقهم، في المقابل، بأنواعها وروعة الحياة فيها، ربما كان تينيسي ويليامز (1911 – 1983) الأكثر سعادة بفضل نلك العلاقة، لكنه في المقابل كان الأكثر شكوى من هوليوود والأكثر زعماً أنها لم تسعده أبداً، بل إنه لم يحب في حياته أياً من الأفلام التي اقتبستها من نصوصه الروائية والمسرحية، بل كادت ذات مرة تقتبسها من حكاية حياته نفسها حين اشتغل تايلور هاكفورد على سيرته الذاتية محاولاً أفلمتها في مشروع لم يتحقق على حد علمنا. يقيناً، إن السينما أحبت ويليامز كثيراً، أحبته إلى درجة مكنتها من استبقائه عقوداً في ملكوتها، كما إلى حد اقتباس شاشاتها بعض أروع أفلامها من نصوصه. لكنه هو، في المقابل، لم يخفِ أبداً أنه لم يحب السينما والسينما الهوليوودية تحديداً. فلماذا بقي على تلك العلاقة الطويلة مع هوليوود، ولحقبة زمنية امتدت ما لا يقل عن ثلاثة عقود، لم يكن خلالها في حاجة إلى ذلك الارتباط بها، إذ كانت برودواي ونصوصه العديدة قد حولته نجماً كبيراً بصرف النظر عن السينما وممارسته لها؟ الجواب هو: النجوم، بكل بساطة. نجوم هوليوود، سواء من بين الذين مثل مارلون براندو أو فيفيان لي ومونتغمري كليفت وناتالي وود وريتشارد بورتون، مثلوا في أفلامه أو مسرحياته، أو من بين الآخرين الذين أحبهم من بعد، وبخاصة منهم غريتا غاربو التي كانت معبودته منذ ما قبل وصوله إلى هوليوود.
والحقيقة أن هذا الواقع سيبدو غريباً إن نحن تنبهنا إلى أن من نتحدث عنه كان ذلك الكاتب الذي لم يبقَ اسم بين أسماء السينمائيين الهوليووديين الكبار إلا وسعى إلى تحقيق فيلم مقتبس عن نص له وبخاصة عن مسرحية من مسرحياته، وإذ نقول هذا نتذكر أسماء مثل إيليا كازان وجون هستون وجوزيف لوزاي وسيدني لاميت وسيدني بولاك، وحتى جوزيف ل. مانكفيتش، وغيرهم.
من أصحاب تلك الأسماء الكلاسيكية الكبيرة الذين لم يكن أي منهم في حاجة إلى تينيسي ويليامز كي يبني مكانته في عالم السينما وتاريخها، حتى وإن كان هذا الأخير كبيراً بين الكبار الذين تحوم هوليوود من حولهم تغريها مواضيعه وجرأتها، ويجتذبها اهتمامه بالموسيقى، الجاز خصوصاً، والعلاقات المعقدة بين البشر والمواضيع العائلية المركبة والمشاعر الإنسانية والقلبات المسرحية، ويعرف كيف يضافر ذلك كله من حول شخصيات لا تنسى غالباً ما نقلتها السينما على شاشة تحمل عناوين مثل “عربة اسمها رغبة”، و”قط على سطح من الصفيح الساخن”، و”العزبة الآيلة للسقوط”، و”الحيوانات الزجاجية”، و”النوع الهارب”، و”فجأة في الصيف الفائت”… ويمكن لهذه اللائحة أن تطول وتبدو مصدر فخر لكل من ساهم في إنجاز أعمالها، لكن كاتبنا لا يبدو أنه اهتم بها حقاً، ويبدو هذا بصورة خاصة من خلال ما قاله عن تلك الأفلام من أنها غالباً ما تركته على ظمئه في انتظار تجربة تالية. فلماذا تراه واصل تلك العلاقة مع هوليوود من دون انقطاع والحال كذلك؟
لم يكن ويليامز ليتورع حين كان هذا السؤال يطرح عليه، وطارحه يتوقع منه أن يجيبه بأن أموال هوليوود كانت السبب، لا يتورع عن أن يقول في معرض الرد “إنها الرفقة الطيبة”. ثم يحكي كيف أن حكايته مع هوليوود قد بدأت عام 1943 حين سافر إلى لوس أنجليس “على خطى رايموند تشاندلر وويليام فوكنر وجون شتاينبك وداشيل هاميت، وبخاصة سكوت فيتزجيرالد وغيرهم من أكثر كتاب ذلك الحين شعبية في أميركا، لينضم إلى استوديوهات مترو غولدوين ماير التي كانت من أكبر المؤسسات الهوليوودية تأثيراً”.
وهناك كان أول ما جرَّبه هو اقتباس سيناريو اجتماعي بسيط عن قصة قصيرة له عنوانها “بورتريه زجاجي لفتاة” تحول إلى ذلك الفيلم الذي كان فشله الهوليوودي الأول “الحيوانات الزجاجية”، وهو السيناريو ذاته الذي سيتحول بعد سنوات قليلة إلى مسرحية حققت نجاحاً كاسحاً في برودواي. لكن المهم أن ذلك الفيلم تميز بشيئين، أولهما أنه لمرة نادرة في السينما الهوليوودية تخلى عن النهاية السعيدة المعتادة في السينما الأميركية الاجتماعية، أما الثاني فهو ذلك الود المتبادل الذي قام بين تينيسي ويليامز ومارلون براندو الذي قام ببطولة الفيلم كما ببطولة المسرحية بعد حين. وهكذا، من خلال براندو استعاد الكاتب هوسه القديم بالشخصيات السينمائية بخاصة بهواه المقيم بغريتا غاربو “نجمة النجمات” التي سنعرف على أية حال أنه لم يلتقِ بها أبداً.
ولقد تضافرت علاقته ببراندو مع السمعة التي نالتها فيفيان لي ووصف الصحافة لها بكونها “غاربو الجديدة” ليركز ويليامز على مشروع تالٍ له يقوم هذه المرة على أفلمة مسرحية له كان إيليا كازان أخرجها للمسرح. وهكذا لم يولد فقط ويليامز السينمائي من رحم “عربة اسمها رغبة”، بل ولدت جرأة سينمائية لم يكن لهوليوود عهد بها من قبل، تقوم على تصوير شخصية المثلي من ناحية، والاغتصاب العائلي على الشاشة من ناحية ثانية.





