بغداد – العالم
دفعت أزمة الجفاف وشح المياه في العراق خلال السنوات الأخيرة مئات العائلات في القرى والأرياف إلى حفر آبار لتأمين مياه الشرب والسقي، لكن انتشار هذه الآبار بصورة عشوائية، ومن دون الالتزام بمعايير السلامة، حوّل بعضها إلى مصادر خطر تهدد حياة الأطفال والسكان، فضلاً عن مخاطر تلوث المياه الجوفية وتفاقم الأضرار الصحية والبيئية.
ورصدت «العالم» تزايد التحذيرات الرسمية والنقابية من مخاطر الآبار غير النظامية، بعد تسجيل سلسلة حوادث سقوط داخل آبار عميقة خلال فترة قصيرة، بينها حالات وفاة وإصابات بين الأطفال، بالتزامن مع تسجيل حالات تسمم بسبب تلوث مياه بعض الآبار بمياه الصرف الصحي.
وشهد العراق خلال أقل من شهر أربع حالات سقوط لأطفال في آبار عميقة، أدت إلى وفاة ثلاثة أطفال في محافظة نينوى وإصابة طفل آخر في الأنبار، فيما سجلت حالتا تسمم مرتبطة بمياه الآبار في ذي قار وديالى، نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي إليها.
وتشير نقابة الجيولوجيين العراقية، في تصريحات تابعتها «العالم»، إلى أن حوادث السقوط المسجلة وقعت خلال فترات متقاربة، وأسفرت عن وفاة ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين أربعة وتسعة أعوام، مؤكدة استعدادها للمشاركة في إجراء مسح ميداني للآبار وتقديم المعالجات الفنية اللازمة، ومنها التبطين والتغطية.
وحذرت النقابة من أن الحفر غير النظامي لا يمثل خطراً على الأشخاص فقط، بل قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تآكل جدران الآبار واتساع فتحاتها، ما يزيد احتمالات سقوط الأطفال والحيوانات فيها، ويجعل السيطرة على مخاطرها أكثر صعوبة.
وفي السياق، تستعد السلطات المحلية في نينوى والأنبار لإطلاق حملات توعية ميدانية بين الأهالي، بهدف تأمين الآبار من خلال وضع الأغطية أو تسويرها، فضلاً عن ردم الآبار القديمة والجافة التي لم تعد صالحة للاستخدام.
وقال المستشار في وزارة الموارد المائية أحمد الساعدي، في تصريحات تابعتها «العالم»، إن جهوداً ميدانية ستنطلق في الأنبار ونينوى لتأمين الآبار وإغلاق المخالفة أو الخطرة منها والتي لا تتوفر فيها معايير السلامة المطلوبة، على أن تتوسع الحملة لاحقاً لتشمل مدناً أخرى.
وأوضح أن موجة الجفاف أسهمت في زيادة عمليات الحفر العشوائي من قبل الأهالي، من دون الالتزام بإجراءات السلامة، مشيراً إلى أن بعض الآبار يتجاوز عمقها 100 متر، ما يجعل التعامل معها من دون إشراف فني أكثر خطورة.
وبحسب بيانات نقلتها «العالم»، شهد العام الحالي 11 حادثة سقوط لأطفال وامرأة واحدة في مناطق مختلفة من العراق، أدت إلى وفاة سبعة أشخاص، فيما تصدرت محافظات نينوى وكركوك والمثنى والبصرة والأنبار حالات السقوط المسجلة.
وتؤكد المعطيات أن غالبية هذه الحوادث مرتبطة بآبار حفرها الأهالي بصورة غير نظامية، وليست بالآبار الحكومية التي تنفذها الجهات المختصة ضمن مشاريعها المتعلقة بالزراعة والموارد المائية.
كما بدأت السلطات، وفق ما تابعته «العالم»، تفعيل إجراءات عقابية بحق شركات حفر الآبار التي تتورط في تنفيذ أعمال من دون مراعاة متطلبات السلامة، خصوصاً أن المخاطر لا تقتصر على السكان، بل تشمل الحيوانات التي سجلت حالات نفوق داخل بعض الآبار، بما قد يضيف مخاطر صحية إلى المناطق التي يعتمد سكانها على المياه الجوفية.
من جهته، يرى عضو اتحاد الفلاحين في بغداد ماجد العبادي أن شح المياه يفسر لجوء الأهالي إلى حفر الآبار، لكنه لا يبرر تركها مكشوفة أو غير مؤمنة، مشدداً على ضرورة تحديد مسؤولية أصحاب الآبار عن تأمينها، إلى جانب قيام الجهات المختصة بحصرها ومتابعة أوضاعها وتحديد المسؤوليات القانونية في حال وقوع الحوادث.
ودعا العبادي إلى تنفيذ حملة ميدانية بمدة زمنية محددة، تبدأ بالآبار القريبة من المنازل وأماكن تجمع الأطفال، مع تأمينها بإشراف فني وإغلاق الآبار التي لم تعد هناك حاجة إليها أو لا يمكن استخدامها بصورة آمنة.
وفي نينوى، تعود مشكلة بعض الآبار إلى سنوات سابقة، إذ حُفر عدد منها خلال فترة سيطرة تنظيم داعش بسبب شح المياه وتوقف المشاريع الإروائية، فيما تواجه الجهات المختصة صعوبة في متابعة الآبار الموجودة داخل المنازل.
وتتراوح أعماق الآبار في المحافظة بين 100 و300 متر، بحسب طبيعة المناطق، بينما تعتمد مساحات زراعية واسعة على المياه الجوفية مع تراجع معدلات الأمطار.
ويكشف ملف الآبار العشوائية عن جانب آخر من أزمة المياه في العراق، فبينما شكلت المياه الجوفية حلاً اضطرارياً لمواجهة الجفاف وتراجع الموارد المائية، فإن غياب التنظيم والرقابة ومعايير السلامة يحول هذا الحل إلى مصدر جديد للخطر، ما يضع السلطات أمام مسؤولية مزدوجة تتمثل في توفير بدائل مائية آمنة، وحصر الآبار القائمة وتأمينها قبل أن تتحول المزيد منها إلى مصائد تهدد حياة السكان وتلوث مصادر المياه.





