جورج منصور
بين خطاب مكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة من جهة، والعودة إلى توزيع المناصب وفق موازين القوى السياسية من جهة أخرى، تتكشف معضلة الحكم في العراق: تتغير الوجوه، لكن منظومة النفوذ تظل قادرة على إعادة إنتاج نفسها، فيما يدفع المواطن وحده ثمن التعطيل وسوء الإدارة.
لم تكن المشكلة في العراق يوماً نقصاً في الوعود، ولا عجزاً في إطلاق الشعارات الكبيرة عن الإصلاح وبناء الدولة ومكافحة الفساد. فمنذ سنوات، اعتاد العراقيون سماع خطابات سياسية تتحدث عن التغيير، وتَعِد بإنهاء المحاصصة، وإبعاد الفاسدين، ووضع الكفاءة والنزاهة في مقدمة معايير اختيار المسؤولين. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تنتقل هذه الوعود من المنابر إلى غرف التفاوض، حيث تتراجع المبادئ أمام المصالح، وتصبح المناصب الحكومية أوراقاً للمساومة، وتتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات لتثبيت النفوذ الحزبي والسياسي.
ومن هذا المنظور، تبدو تجربة حكومة علي الزيدي، التي جاءت إلى السلطة في آيار الماضي، اختباراً جديداً لقدرة النظام السياسي العراقي على تجاوز أزماته المزمنة. فقد حمل رئيس الوزراء، في خطابه الأول، وعوداً بمواجهة الفساد، وتقليص نفوذ المحاصصة، والاعتماد على الكفاءات في إدارة مؤسسات الدولة. وهي وعود لامست تطلعات قطاع واسع من العراقيين الذين أنهكتهم الأزمات الاقتصادية والخدمية، وأفقدتهم التجارب الحكومية المتعاقبة الثقة بقدرة الطبقة السياسية على إحداث تغيير حقيقي.
غير أن استكمال التشكيلة الحكومية، بعد أشهر من التأجيل والتجاذبات، أعاد طرح السؤال الذي يلاحق كل حكومة عراقية جديدة: هل يمتلك رئيس الوزراء فعلاً سلطة اتخاذ القرار، أم أن موقعه يظل محكوماً بتوازنات القوى التي أوصلته إلى المنصب؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالأسماء وحدها، ولا بعدد الوزراء الذين نالوا ثقة البرلمان، بل بطبيعة الآلية التي أنتجت هذه التعيينات، وبالجهات التي تملك القدرة على فرض خياراتها، وبمدى استقلالية الحكومة في إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والسيادية.
كان التصويت البرلماني، في الخامس عشر من تشرين الأول الجاري، على تعيين ثلاثة نواب لرئيس الوزراء، مع تأجيل البت في شغل منصب رابع، محطةً كاشفةً لطبيعة الصراع داخل السلطة التنفيذية. فبدلاً من أن يشكّل استكمال التشكيلة الحكومية مناسبةً لتوحيد القرار التنفيذي وتحديد المسؤوليات، تحوّل إلى ساحة جديدة للمساومة على توزيع المناصب وتوسيع النفوذ السياسي داخل مؤسسات الدولة.
والأنكى من ذلك أن الهيئة التشريعية نفسها خرقت أحكام الدستور العراقي، بموافقتها على استحداث أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء، رغم أن الدستور لا ينصّ على هذه المناصب. وبذلك، لم يقتصر الأمر على تكريس منطق المحاصصة والتفاوض السياسي في توزيع المواقع التنفيذية، بل امتدّ إلى تجاوز الإطار الدستوري الذي يُفترض أن ينظّم عمل مؤسسات الدولة ويحدّد صلاحياتها.
وقد حاول الزيدي، وفق ما ورد في المعطيات المتداولة بشأن التشكيلة، احتواء الاعتراضات على هذه المناصب بالقول إن شاغليها لن يتقاضوا رواتب، في خطوة هدفت إلى تبديد المخاوف من تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية. لكن هذا التبرير، حتى لو تحقق عملياً، لا يلامس جوهر الاعتراض.
فالمشكلة ليست في الراتب الذي يتقاضاه المسؤول فحسب، وإنما في السلطة التي يمتلكها، وفي حدود صلاحياته، وفي طبيعة علاقته بمراكز القرار الأخرى. وقد يكون المنصب بلا راتب، لكنه يظل قادراً على التأثير في القرارات والتعيينات وتوجهات الحكومة، إذا كان صاحبه يستند إلى قوة سياسية أو تنظيمية تتجاوز حدود موقعه الرسمي.
من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما الحاجة الفعلية إلى استحداث أو توسيع هذه المواقع التنفيذية في بلد يحتاج إلى ترشيق مؤسسات الدولة، وتحديد المسؤوليات، وتقليص النفقات غير الضرورية؟ وما القيمة المضافة التي ستقدمها هذه المناصب للمواطن، إذا لم تقترن ببرنامج عمل واضح وصلاحيات محددة ومؤشرات قابلة للقياس؟
إن تعدد مراكز القرار لا يعني بالضرورة تعدد الحلول. ففي الأنظمة التي تعاني أصلاً من تداخل الصلاحيات وضعف المساءلة، قد يؤدي توسيع الهيكل التنفيذي إلى زيادة التعقيد الإداري، وإلى توزيع المسؤولية على عدد أكبر من الأطراف، بحيث يصبح من الصعب تحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية الفشل.
والأخطر أن تتحول هذه المناصب إلى امتداد للتوازنات الحزبية داخل مجلس الوزراء، فيغدو كل مسؤول ممثلاً لمركز نفوذ سياسي، بدلاً من أن يكون جزءاً من فريق حكومي يعمل وفق برنامج موحد.
وتزداد هذه المخاوف عندما ترتبط بعض التعيينات، بحسب ما يُتداول من معلومات، بشخصيات لها صلات مباشرة أو غير مباشرة بقوى سياسية وتنظيمية نافذة. فالتحدي الذي يواجه حكومة الزيدي ليس مجرد تشكيل فريق كبير، بل ضمان ألا يتحول هذا الفريق إلى مجموعة من مراكز القوة المتنافسة، لكل منها أولوياتها وحساباتها الخاصة.
إذا كانت المناصب الإضافية تثير أسئلة بشأن جدواها الإدارية وكلفتها السياسية، فإن التعيينات في الوزارات السيادية تضع الحكومة أمام اختبار أكثر حساسية. فوزارتا الداخلية والدفاع ليستا حقيبتين عاديتين يمكن التعامل معهما باعتبارهما جزءاً من صفقة لتوزيع الحصص؛ إنهما مؤسستان ترتبطان مباشرة بأمن الدولة، وسيادة القانون، وحماية المواطنين، وإدارة العلاقة بين السلطة السياسية والأجهزة الأمنية والعسكرية.
ولهذا، فإن اختيار المسؤولين عنهما ينبغي أن يخضع لمعايير صارمة تتعلق بالكفاءة والخبرة المهنية والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الضغوط الحزبية والفئوية.
وقد أثار تعيين ياسر المالكي وزيراً للداخلية تساؤلات بشأن صلاته السياسية والعائلية، في ظل ما يُشار إليه من قرابة تربطه بنوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون. كما أثار ظهور وزير الدفاع نايف الشمري في مقطع مصور إلى جانب أحد قياديي منظمة بدر نقاشاً بشأن استقلالية القرار الأمني والعسكري، وحدود العلاقة بين المسؤولين الحكوميين والقوى السياسية والتنظيمية.
لكن من الضروري التمييز هنا بين الصلات السياسية أو الاجتماعية التي قد تثير تساؤلات مشروعة، وبين إثبات وجود تدخل فعلي في القرارات الرسمية. فالعبرة ليست بمجرد ظهور مسؤول إلى جانب شخصية سياسية، ولا بالقرابة العائلية في حد ذاتها، وإنما بما إذا كانت هذه الروابط تؤثر في أداء المسؤول، أو تحد من استقلاليته، أو تضع قرارات المؤسسة التي يديرها تحت تأثير جهات خارج التسلسل القانوني للدولة.
إن معيار الحكم الحقيقي هو الأداء، والشفافية، واحترام القانون، والقدرة على تقديم ضمانات واضحة بأن الأجهزة الأمنية والعسكرية تعمل وفق الدستور والقوانين، لا وفق توجيهات الكتل أو مصالح الفصائل.
ومع ذلك، فإن تكرار الجدل حول خلفيات التعيينات يكشف مشكلة أعمق من الجدل حول شخص بعينه: إنها أزمة الثقة في عملية اختيار المسؤولين. فعندما يشعر المواطن بأن الانتماء السياسي قد يكون أكثر أهمية من الكفاءة، يصبح كل تعيين جديد موضع شك، حتى قبل أن يبدأ المسؤول ممارسة مهامه.
ولا يمكن لأي حكومة أن تستعيد ثقة المجتمع بمجرد مطالبة الناس بحسن الظن. الثقة تُبنى عبر معايير معلنة، وإجراءات شفافة، ومساءلة فعلية، ونتائج ملموسة تثبت أن المنصب العام ليس مكافأة سياسية، بل مسؤولية وطنية.
تتضاعف حساسية ملف “المال العام بين مقتضيات الدولة ومصالح القوى النافذة”، عند الحديث عن المعلومات المتداولة بشأن إسناد وزارة السياحة إلى علي الدخيلي، الذي قيل إنه قريب من كتائب سيد الشهداء، في إطار تفاهم يرتبط بمصير أسلحة الفصيل وآلية تسليمها إلى هيئة الحشد الشعبي بدلاً من الجيش العراقي.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإن المسألة تتجاوز حدود التعيين الوزاري لتطرح سؤالاً بالغ الخطورة بشأن طبيعة العلاقة بين المناصب الحكومية والتفاهمات الأمنية والسياسية. فهل يمكن أن تصبح حقيبة وزارية جزءاً من اتفاق لتسوية ملف السلاح؟ وهل يصح أن ترتبط إدارة وزارة مدنية بترتيبات تخص جهة مسلحة، مهما كانت طبيعة تلك الترتيبات أو المبررات المقدمة لها؟
ينبغي التعامل مع هذه الادعاءات بحذر، وعدم اعتبارها حقائق نهائية ما لم تؤكدها وثائق أو تصريحات رسمية موثوقة. لكن مجرد تداولها على نطاق سياسي وإعلامي يكشف عن حجم الشكوك المحيطة بآليات توزيع المناصب، وعن الحاجة إلى إعلان الأسس التي استندت إليها التعيينات والتفاهمات المرتبطة بها.
فالدولة لا تُدار بمنطق المقايضة بين الوزارات والسلاح، ولا ينبغي أن تتحول الموارد العامة إلى مقابل سياسي يضمن ولاء جهة أو يرضي طرفاً مسلحاً. وأي ترتيبات تتعلق بالسلاح يجب أن تُناقش في إطار قانوني وأمني واضح، يضمن حصرية القرار العسكري بيد الدولة، ويخضع للمؤسسات الدستورية والقانونية المختصة.




