فيلم “فيورد”… سؤال الحرية متى تبدأ وأين تنتهي؟

هيئة التحريرمنذ 37 دقيقةآخر تحديث :
فيلم “فيورد”… سؤال الحرية متى تبدأ وأين تنتهي؟

نجلاء أبو النجا
حاز فيلم “فيورد”، المعروض بمهرجان الجونة السينمائي، إعجاب المشاهدين على رغم طول مدة عرضه، إذ يمكن وصفه بتجربة استثنائية صنعها مخرجها الروماني المخضرم كريستيان مونجيو على نار هادئة، بعدما وضع الجمهور في حالة من التوتر منذ الدقائق الأولى للفيلم وحتى تتر النهاية.
وفي فيلم “فيورد” ساد التوتر والقلق والجدل طوال الشريط السينمائي الذي تجاوز أكثر من ساعتين، وسيطرت الأجواء الرمادية على صورة شاحبة تعمّدها المخرج، لتخدم قسوة القضية الإنسانية التي يطرحها، وهي الازدواجية التي يشهدها المجتمع الأوروبي وعنصريته ضد المختلفين عنه دينياً، ومنح العالم المتقدم لنفسه حق ممارسة السلطة المطلقة ضد من هم أقل قوة منه بفرض قوانين قاسية تصادر أبسط حقوق الإنسان.
تبدأ حكاية الفيلم بانتقال عائلة جورجيوس وهي من رومانيا مكونة من أب وأم وخمسة أطفال إلى قرية نرويجية هادئة تقع على مضيق بحري بارد وجميل. ويقوم بدور الأب ميهاي الممثل الأميركي سيباستيان ستان، الذي فاجأ الجمهور بصورة مختلفة ظاهرياً، إذ ظهر حليق الرأس، ومن حيث الأداء كان بعيداً تماماً من أدواره السابقة، وجسّدت دور الزوجة ليزبيت الممثلة رينات راينسفي.
فور انتقال العائلة الرومانية المتعصبة دينياً أو التي يمكن أن يقال إنها شديدة الالتزام تبدو الأمور جيدة بالنسبة إلى الجميع من حيث التمتع بالحرية والديمقراطية والمناخ الأوروبي المتحضر، وداخل القرية النرويجية التقدمية يتعامل الجميع بلطف ويدرس الأولاد في مدارس منظمة. وعلى الجانب الآخر يكشف الفيلم عن أن الجيران والمحيطين بالعائلة النازحة شديدي الود والرقي، وسرعان ما جمعت أواصر الصداقة بين العائلة الجديدة والمحيطين.
حملت عائلة ميهاي معها على رغم نزوحها إلى مجتمع أوروبا عاداتها الدينية المتشددة وتقاليدها الصارمة وسط أبناء المجتمع الأوروبي شديد الانفتاح. وعلى رغم الاختلافات الحضارية التي تتضح بصورة لا يمكن إنكارها يصر ميهاي أن يعيش أبناؤه في نظام صارم يشمل صلاة يومية، وقراءة في الكتاب المقدس، وابتعاد عن الهواتف وألعاب الفيديو والموسيقى الدنيوية، وانضباط عائلي لا يترك مساحة كبيرة للعفوية، إضافة إلى غرس معتقدات قد تبدو معادية لبعض الأعراف والتقاليد وطرق الحياة في النرويج مثل تحريم الزواج المثلي، وأن الضرب إحدى وسائل التربية، والعقاب واجب مع أي فعل من أجل التقويم، وكذلك إباحة استخدام الترهيب والثواب والعقاب في تنشئة العائلة.

ومنذ المشاهد الأولى اتضح أن هناك صداماً متوقع الحدوث بين العائلة الرومانية الصارمة والمحيطين بهم، بخاصة عندما خرج الأبناء للدراسة والاحتكاك بأبناء أسر أخرى تربت على عدم العقاب الجسدي أو الترهيب، وعدم التلويح بالعواقب الدينية والتعذيب وما إلى ذلك. يبدأ المحيطون والمقربون من هذه العائلة الشعور بالتوجس والإحساس بأن عائلة ميهاي لها طباع غير مريحة، ويمارسون أنشطة أقليات قد تبدو غير مألوفة.
اعتمد المخرج والسيناريو على تقديم جفاف واضح في شخصيات الأسرة، إذ يتميز الأب ميهاي بوجه جاف وصارم ومعاملات حادة ويختار كلمات مباشرة خالية من الود، بينما تتميز زوجته ليزبيت بأنها أكثر ليونة ولطف، لكنها تقف دائماً على الحافة بين الإيمان والخوف، ولا تبدو أنها تمتلك أي شجاعة في مقاومة تقاليد زوجها ودينها.
تنقلب الأحداث رأساً على عقب بشكل قاسٍ وغير عادل أو متوقع ضد العائلة الرومانية على رغم ثقتها بأنها تعيش في مجتمع يبدو آمناً ورائعاً ومتحضراً، لكن المفاجأة أنه يكشف عن جانب مرعب ومتناقض ومتعنّت بالنسبة إلى الأقليات والنازحين، وفي إحدى الجلسات الرياضية التي تمارس فيها الابنة الرومانية الكبرى ليا رياضتها بالمدرسة تفاجأ مدربتها بوجود كدمات في جسدها، وتتحرّك المدرسة التي تنتمي إلى مؤسسة رسمية لحماية الطفولة، لتكشف سر كدمات الفتاة فتسألها عن وجود تعنيف بأسرتها فتجيب الفتاة أن هذا يحدث أحياناً.

تتخذ مؤسسة حماية الطفل في النرويج تحركاً سريعاً بمجرد الإبلاغ عن كدمات الفتاة، والاعتقاد أنها ناتجة عن تعنيف أسري، وتقرر إبعاد الأطفال الخمسة عن والديهم حتى تنتهي التحقيقات، سواء بالسلب والإيجاب، ويتفاجأ ميهاي وزوجته بأن الأطفال انتزعوا منهما بقوة الشرطة، ووضعوا تحت رعاية أسر بديلة اختارتها السلطات الرسمية.
يتعجب ميهاي من تسلط الدولة النرويجية التي تمثل أوروبا وحضارتها وادعاءاتها المدعمة للحرية على حياته الخاصة وفرض سيطرتها على أبنائه الخمسة، وانتزاعهم من دون وجود دليل. وفي البداية يظن ميهاي أن ما يحدث مجرد سوء فهم مؤقت، لكنه يكتشف أنه وقع في براثن منظومات استبدادية لا ترحم بحجة التحضر والدفاع عن الأطفال.
يتصاعد الضغط على العائلة الرومانية بعد انتزاع الأطفال، ويتعرض ميهاي وزوجته لتحقيقات رسمية مكثفة، ويجيبان بعفوية عن بعض المعلومات، ويعترف الأب أنه يمارس أحياناً الضرب الخفيف على مناطق غير مؤذية في جسد أطفاله، وأنه يعاقبهم بطرق مختلفة إذا أخطأوا، وكذلك أكد أنه متمسك بالتزام أبنائه بتعاليم الكتاب المقدس، والقراءة في مواد دينية طوال الوقت، وإقامة الصلوات بدلاً من اللعب، وأقر بأنه يعرضهم للحرمان الكامل من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو أي منصة إلكترونية أو حتى تلفزيون.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!