هل يُصلح القَسَم ما أفسدته المحاصصة؟

هيئة التحريرمنذ 37 دقيقةآخر تحديث :
هل يُصلح القَسَم ما أفسدته المحاصصة؟

د. فراس مصطفى

لم تعد المحاصصة السياسية في العراق سرًّا يحتاج إلى كشف أو عيباً يتنزه عنه السياسيون أو إساءة لقومية او دين أو طائفة، فالدولة العراقية أسست بعد العام 2003 على أساس المحاصصة وتقاسم الحصص والأحزاب تتفاوض علنًا على حصصها في الوزارات، والكتل تدافع عن استحقاقاتها بشدة، والوزراء يصلون إلى مواقعهم عبر تفاهمات سياسية يعرفها القاصي والداني.

 

ولعلّ المشهد الأكثر إثارة بعد إكتمال الكابينة الوزارية وفي أول اجتماع يضم التشكيلة الوزارية كاملةً هو ترحيب رئيس الوزراء بوزرائه أمام الاعلام والكاميرات بقوله: «هاي الأماكن كانت تنتظركم» ثم يدعوهم لإداء القَسَم بأن لايعملوا لمصلحة حزب او عشيرة او لأي شخص مقرب إنما العمل للعراق وحده!!.

عبارة «هاي الأماكن كانت تنتظركم» قد تبدو عادية في ظاهرها، لكن وضعها في سياق المحاصصة يفتح بابًا للتأمل والتساؤلات المشروعة، هل هذه الأماكن كانت تنتظر أصحابها وفقا لحاجة الدولة الفعلية أم وفقاً لمبدأ التكنوقراط أم وفقا للتفاهمات السياسية بناءً على حصة كل حزب من الوزارات؟!

ثم يأتي القَسَم ليطالب الوزراء بأن لا يعملوا للمسميات التي ذكرتها آنفاً على حساب العراق، والوزير أصلاً رشحه حزبه ودعمته كتلته في البرلمان. وحزبه وكتلته، كلاهما أُسس على أساس قومي وطائفي وفئوي!!! فكيف يجتمع اتفاق سياسي على توزيع المناصب بين الأحزاب مع قَسَم يتعهد فيه الوزراء بألّا يعملوا لمصلحة تلك المسميات؟! وهل تنتهي تلك العلاقة بمختلف مسمياتها عند باب الوزارة بمجرد وضع اليد على القرآن الكريم؟ وهل يتحول الوزير، في لحظة أداء القسم، من ممثل لجهة سياسية رشحته ودعمته إلى مسؤول مستقل تمامًا عن مصالحها ويرفض طلباً يأتيه ممن أجلسهُ على كرسيه؟!

لا يعني ذلك بالضرورة أن كل وزير سيخالف قسمه، أو أن الانتماء الحزبي يمنع صاحبه من أداء واجباته بنزاهة. فقد يكون الوزير حزبيًا ويعمل بكفاءة ونزاهة، وقد يلتزم بمقتضيات المنصب رغم الضغوط السياسية. لكن المشكلة تكمن في التناقض بين نظام يقوم على توزيع المناصب وفق التفاهمات الحزبية وتوزيع الحصص، وبين تعهد يُفترض أن يجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار حزبي أو فئوي.

وهنا يبرز سؤال آخر: ما جدوى إقحام القسم الديني في معادلة سياسية وإدارية، إذا كانت قواعد العمل ومسؤوليات الوزير محددة أصلًا بالدستور والقانون؟ أليس الأجدى أن يكون التركيز على ضمان تطبيق القانون، وتفعيل الرقابة، ومحاسبة كل مسؤول تثبت عليه استغلاله منصبه لمصلحة حزبه أو أقاربه أو جماعته على حساب المصلحة العامة؟

 

فالوزير ليس وكيلًا عن حزبه داخل الدولة، والوزارة ليست مُلكًا للكتلة التي رشحته، بل مؤسسة عامة تخضع للدستور والتشريعات النافذة. والقانون هو الذي يحدد صلاحيات الوزير وواجباته، وينظم عمل الوزارة، ويرسم آليات الرقابة والمساءلة، ويحدد الجزاءات المترتبة على المخالفات وفقًا لأحكامه.

أما القسم، فرغم قيمته الدينية والأخلاقية، فلا يمكن أن يكون بديلًا عن هذه المنظومة. بل إن الإفراط في التعويل على القسم قد يمنح انطباعًا بأن المشكلة في أخلاق الأفراد وحدها، بينما تكمن المشكلة أيضًا في بنية سياسية تحتاج إلى قواعد واضحة ومؤسسات قادرة على فرضها.

 

وفي هذا السياق، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. وهي آية تؤكد أهمية العمل وما يترتب عليه، لا الاكتفاء بالأقوال والوعود.

 

ولا تعني هذه الآية أن الدين لا علاقة له بالأخلاق أو الأمانة، ولا أن القسم الديني بلا قيمة, بل إن المسؤولية الدينية والأخلاقية تظل شأنًا مهمًا في حياة الإنسان. غير أن إدارة الدولة لها إطارها القانوني والمؤسسي، ولا ينبغي أن يتحول الأيمان إلى بديل عن المساءلة أو إلى وسيلة لإضفاء طابع أخلاقي على مشهد سياسي لا تُعالج تناقضاته بالكلمات وحدها.

فالله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أن نقسم له كي نؤدي واجباتنا، والدولة لا تُدار بالأيمان، بل بالدستور والقانون والرقابة والمحاسبة. والقسم، إن كان له معنى حقيقي، ينبغي أن يكون تعبيرًا عن التزام تؤكده الأفعال، لا مجرد إجراء يسبق مباشرة العمل في الوزارة.

ولعلّ بعض الوزراء يجدون أنفسهم بين التزامين: التزام سياسي تجاه الحزب الذي رشحهم، والتزام دستوري تجاه الدولة والشعب. وفي هذه الحالة، لا ينبغي أن تكون هناك مساحة للالتباس، فواجبات المنصب العام ومقتضيات القانون هي المرجع الذي يجب الاحتكام إليه، لا المصالح الحزبية ولا التوازنات التي سبقت تشكيل الحكومة.

أما رئيس الوزراء، الذي يطلب من وزرائه أداء القسم، فالسؤال الذي يستحق الإجابة هو: هل تكفي مطالبتهم بالتعهد أمام الله، أم أن المسؤولية الحقيقية تقتضي أيضًا وضع آليات تضمن استقلال قراراتهم، وتمنع التدخلات الحزبية غير المشروعة، وتتيح محاسبة كل من يخل بواجباته؟

 

إن الحملة التي قادها رئيس الوزراء نفسه والتي توجت باعتقالات ومُسائلة ومحاكمة لكبار السياسيين الذين اثبتت الأدلة والوقائع تورطهم الفعلي في الفساد رغم ادائهم اليمين والقسَم اعطتنا درساً مهما هو إن المسؤول النزيه لا يحتاج إلى قسم كي يثبت نزاهته إنما التزامه بالأنظمة والقوانين وعدم استغلال المنصب وهدر المال العام هي المؤشر الوحيد لنزاهته سواء أقسم أم لم يقسم وإن البلد لا يحتاج الى مزيد من المراسم بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قوية تسيرها القوانين وتحكمها الضوابط والتعليمات وتديرها كفاءات مؤهلة تتسلم مهامها وفقا لمعايير واضحة للتعيين، يراقب عملها نظام رقابي لا يفرق بين وزير وآخر على أساس انتماءاته الحزبية وخلفيته القومية والدينية والطائفية.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!