بغداد - العالم
يقترب عام 2025 من نهايته من دون إقرار الموازنة العامة للدولة العراقية، في مشهد يعكس عمق الإرباك المالي الذي يعيشه البلد، وسط تذبذب أسعار النفط واتجاهها النسبي نحو الانخفاض. هذا الواقع أعاد بقوة الدعوات إلى تنويع مصادر التمويل وضمان حقوق الموظفين والمتقاعدين، في وقت يرجّح فيه اقتصاديون أن تتجه موازنة 2026 إلى إعادة هيكلة واسعة لبنود الإنفاق، مع احتمال تقليص أو تأجيل عدد من المشاريع الاستثمارية، استجابةً للتحديات المالية والضغوط المتزايدة على الاقتصاد العراقي.
وأكد مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية مظهر محمد صالح أن تراجع أسعار النفط إلى ما دون 60 دولارًا لا يشكّل أزمة مالية، بل ضغطًا يمكن إدارته، مستندًا إلى احتياطيات أجنبية مريحة ودين عام ضمن الحدود الآمنة، مع استمرار الإيفاء بالرواتب والخدمات.
وقال إن موازنة 2026 قد تواجه عجزًا قابلًا للسيطرة عبر ترشيد الإنفاق، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، واللجوء المحدود للتمويل الداخلي، مع تحييد القطاعات الخدمية والمشاريع الحيوية.
في السياق، حذّر محافظ البنك المركزي العراقي، علي العلاق، من الضغوط الكبيرة التي تواجه الإنفاق العام، ولا سيما الرواتب والإعانات والخدمات الأساسية، مؤكداً أن تقليص هذه البنود ليس خياراً سهلاً لما قد يترتب عليه من تداعيات اجتماعية مباشرة.
وقال العلاق، خلال محاضرة عن تمويل التنمية في ظل أزمة الديون العالمية، أن اعتماد المالية العامة العراقية على النفط بنسبة تفوق 90% يجعل الإيرادات شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، ما يفرض البحث عن حلول هيكلية وتنويع الاقتصاد وتعظيم الإيرادات غير النفطية.
وأشار إلى أن ضعف القطاعات الإنتاجية حوّل العراق إلى بلد مستورد بامتياز، الأمر الذي يفرض ضغطاً مستمراً على الدولار وسعر الصرف، وينعكس بشكل مباشر على السياسة النقدية، رغم ما حققته من نجاح نسبي في الحفاظ على الاستقرار السعري وإدارة السيولة.
وأقرّ المجلس الوزاري للاقتصاد، برئاسة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، قبل يومين، حزمة إجراءات تقشفية تهدف إلى تقليص الإنفاق الحكومي وتعظيم الإيرادات، في ظل أزمة سيولة مالية متفاقمة. وشملت هذه الإجراءات تقليص الإنفاق على الرئاسات الثلاث (الجمهورية، الوزراء، البرلمان) وتوحيد رواتب ومخصصات موظفيها، إضافة إلى تخفيض تخصيصات الإيفاد لموظفي الدولة بنسبة 90% وقصرها على الحالات الضرورية، ومراجعة عاجلة لملف توحيد سلم الرواتب.
كما تضمنت القرارات خفض نسب الإشراف والمراقبة في المشاريع الجديدة، واعتماد برنامج استيرادي وطني يقتصر على السلع الأساسية.
غير أن هذه الخطوات لاقت انتقادا وتحذيرا من نواب ومراقبين. فقد نبّه عضو اللجنة المالية النيابية السابقة جمال كوجر إلى أن استمرار أزمة السيولة قد يهدد رواتب الموظفين والمتقاعدين والمشاريع الخدمية، خصوصاً مع بقاء الاقتصاد العراقي أسير الاعتماد على النفط وتقلب أسعاره.
في المقابل، تبنّت سوزان منصور، النائب السابق عن اللجنة الاقتصادية، موقفاً أكثر حدة، معتبرة أن العراق بلد نفطي وغني، ومن غير المقبول تكرار الحديث عن “السنين العجاف” مع كل كابينة حكومية جديدة.
وأكدت منصور أن الانتقال من وفرة مالية في موازنات سابقة إلى عجز خانق اليوم يعكس هدرًا واضحًا في المال العام وسوء إدارة للموارد، مشددة على أن الحكومة مطالبة بالمحاسبة لا بتبرير التقشف، وأن المسؤولية السياسية والمالية تقع على عاتق الحكومة المنتهية ولايتها.
من جانبه، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عبد ربه أن المؤشرات الحالية ترجّح مواجهة موازنة 2026 عجزاً مرتفعاً، في ظل تضخم الإنفاق التشغيلي واستمرار الاعتماد شبه الكلي على النفط.
ويؤكد عبد ربه أن الأزمة هيكلية، وأن تجاهلها سيقود إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية أعمق.
ويقترح عبد ربه حزمة إصلاحات تشمل إعادة هيكلة الإنفاق، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، ودعم القطاعات الإنتاجية، مع حماية رواتب الموظفين والفئات الهشة وتعزيز الشفافية والمساءلة.