بغداد _ العالم
يشهد المشهد الاقتصادي العراقي تصعيدًا لافتًا على خلفية تطبيق نظام الأتمتة الكمركية (ASYCUDA)، المعروف محليًا بـ“الأسيكودا”، وسط تظاهرات واعتراضات من بعض التجار، يقابلها دعم حكومي وتأييد متزايد من خبراء اقتصاديين ومدونين يرون في النظام خطوة إصلاحية جوهرية تهدف إلى كسر حلقات الفساد وضبط حركة الاستيراد وحماية الاقتصاد الوطني. الخبير الاقتصادي محمود الداغر يؤكد أن ما كان يُعرف سابقًا بنظام “التخمين والتقدير” في احتساب التعرفة الجمركية، مثّل أحد أبرز منافذ الفساد في المنافذ الحدودية، إذ كانت تُفرض رسوم ثابتة تقريبًا بغض النظر عن نوع المادة وقيمتها الحقيقية. هذا الأسلوب، بحسب الداغر، أتاح للتجار والمستفيدين من نافذة بيع العملة الحصول على دولارات بالسعر الرسمي مقابل فواتير وسلع مقوّمة بأقل من قيمتها الفعلية، ما أدى إلى تهريب منظم للعملة الصعبة واستنزاف الاقتصاد. ويشير الداغر إلى أن تطبيق نظام الأسيكودا عام 2025، رغم ما سببه من إرباك ومشاكل لبعض التجار، إلا أنه أسهم بشكل واضح في كشف الفجوة بين القيم الحقيقية للبضائع والأسعار التي كانت تُسجّل سابقًا. فالنظام يعتمد على قواعد بيانات عالمية لتقييم السلع جمركيًا، ما أوقف عمليات الاستفادة غير المشروعة من فارق سعر العملة، وأجبر التجار على العمل وفق مبدأ “هامش التجارة” الطبيعي بدل الاتكال على المضاربة المالية. ويرى الداغر أن فرض التأمينات الضريبية بنسبة تتراوح بين 5% إلى 7% على قوائم السلع هو إجراء طبيعي في أي اقتصاد منظم، لافتًا إلى أن كبار تجار الجملة لا يعترضون على الضرائب أو التأمينات، بينما يأتي الرفض غالبًا من شركات غير معروفة أو غير خاضعة للمحاسبة الضريبية. ويذهب أبعد من ذلك حين يصف تصرفات بعض المحتجين بأنها “محاولات لكسر هيبة الدولة الرسمية”، مؤكدًا عدم وجود مخاوف حقيقية من رفع التعرفة الجمركية طالما أنها تُطبّق بعدالة وشفافية. بالتوازي مع ذلك، شهدت منصات التواصل الاجتماعي ما وصفه مراقبون بـ“الهجمة المرتدة العكسية”، حيث تصدى عدد من المدونين والمحللين الاقتصاديين والسياسيين لحملات الضغط التي يقودها بعض التجار ضد الأسيكودا. واعتبر المدون زياد الهاشمي أن ما يجري ليس خلافًا تقنيًا أو إداريًا، بل “معركة حقيقية ضد شبكات التهريب والفساد”، مشيرًا إلى أن الأتمتة الكمركية ستغلق منافذ التلاعب بالبضائع عبر الحدود البرية والبحرية والجوية، وتؤدي إلى زيادة إيرادات الدولة وضبط السوق. في السياق ذاته، شدد كل من د. زيد عبد الوهاب وسجد الجبوري على ضرورة “سحب غطاء التعاطف عن كبار التجار”، متهمين إياهم بلعب دور محوري في تفاقم الأزمة الاقتصادية عبر المضاربات ورفع الأسعار وتحقيق أرباح فاحشة، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، دون مراعاة للبعد الاجتماعي أو الإنساني. ويرى هؤلاء أن الضغط الشعبي والإعلامي بات عنصرًا مهمًا في دعم قرارات الإصلاح الاقتصادي. من جهتهم، أوضح مدونون مثل علي فرحان وغيث التميمي أن نظام الأسيكودا والتعرفة الجمركية لا يستهدفان المواطن كما يُشاع، بل يهدفان إلى حماية المنتج المحلي، وتوفير فرص العمل، ومنع استنزاف العملة الصعبة في استيراد سلع رديئة أو غير ضرورية. ويؤكدون أن أي ارتفاع محتمل في الأسعار يمكن معالجته عبر الرقابة الحكومية ودعم السلة الغذائية.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة التجارة عن توجه لتخفيض أسعار المواد الغذائية بنسبة 20% خلال شهر رمضان المبارك. وقالت المدير العام للشركة العامة لتجارة المواد الغذائية، لمى الموسوي، إن هناك توجيهًا بتسهيل مهام التسوق للمواطنين عبر مشاريع الشركة، وتقديم تخفيضات تتجاوز 20% للحفاظ على استقرار الأسعار. كما أكد وزير التجارة أثير الغريري عدم وجود أي زيادة في الأسعار، مشددًا على أن البضائع متوفرة والاستيراد مستمر، وأن الوزارة لن تسمح باستغلال شهر رمضان لرفع الأسعار. خلاصة المشهد تشير إلى أن تطبيق نظام الأسيكودا يمثّل نقطة تحول في إدارة الملف الكمركي بالعراق، فهو يكشف تراكمات سنوات من الفساد والتهريب، ويضع الدولة في مواجهة مباشرة مع شبكات مصالح اعتادت العمل في مناطق رمادية. وبينما يحاول بعض التجار تصوير الإجراءات كتهديد للسوق والمواطن، يرى خبراء واقتصاديون أن ما يجري هو خطوة ضرورية لاستعادة هيبة الدولة، وتنظيم التجارة، وبناء اقتصاد أكثر عدالة وشفافية، شرط أن تترافق الإصلاحات مع رقابة صارمة وسياسات تحمي ذوي الدخل المحدود من أي ارتدادات قصيرة الأمد.