بغداد – العالم
تشهد الساحة السياسية السنية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع دخول القوى الفائزة في انتخابات 2025 في اختبار مبكر يتعلق بحسم مرشح منصب رئيس مجلس النواب المقبل، وهو الاستحقاق الأبرز للمكون السني ضمن البنية السياسية العراقية بعد 2003. وبينما ظنّ كثيرون أن تأسيس المجلس السياسي الوطني سيشكّل معبراً سلساً نحو قرار موحد، إلا أن الواقع السياسي كشف عن فجوة واضحة بين الطموح والتنفيذ، وسط تمسّك حزب تقدم بمنح زعامته – محمد الحلبوسي – فرصة جديدة، مقابل تكتلات تسعى لفرض بديل، في وقت تُدرك فيه جميع الأطراف أن القرار النهائي لن يكون سنياً خالصاً.
أُعلن عن تأسيس المجلس السياسي الوطني يوم 23 تشرين الثاني 2025 خلال اجتماع موسع دعا إليه خميس الخنجر، وجمع قادة تقدم وعزم والسيادة والحسم الوطني والجماهير. هدف المجلس – كما قُدم – كان توحيد الرؤية السنية إزاء استحقاقات التشكيل الحكومي، وتقديم مرشح واحد لرئاسة البرلمان، وحسم توزيع الوزارات الست المخصصة للمكون.
لكن، ورغم الاتفاق على اعتماد التوافق والنقاط في إدارة الملف، لم ينجح المجلس – حتى الآن – في تثبيت اسم نهائي، نتيجة إصرار حزب تقدم على الدفع بالحلبوسي منفرداً، مقابل توجه داخل العزم وتحالفات أخرى لطرح بديل قد يخضع لاعتبارات أوسع، تشمل رأي المكوّنين الشيعي والكردي.
القيادي في العزم محمد دحام الفهداوي يؤكد أن المجلس “لم يطرح أي اسم رسمي حتى اللحظة”، مشيراً إلى أن غياب التوافق “قد يدفع باتجاه الذهاب بمرشحين اثنين إلى التصويت داخل البرلمان”، وهو سيناريو يكرر مشاهد انتخابات 2023، لكنه هذه المرة يجري داخل البيت السني نفسه.
لا يقتصر الجدل على البيت السني وحده، فوفقاً للفهداوي، “المكوّن السني لن يكون الجهة الوحيدة التي تحسم هوية الرئيس المقبل”، في تلميح واضح إلى أن القوى الشيعية والكردية ستلعب دوراً كبيراً في تمرير أي مرشح.
هذا الفهم يدفع المجلس إلى “التحوّط”، كما يسميه الفهداوي، عبر النظر إلى موقف المكونات الأخرى قبل الذهاب إلى الجلسة الأولى، خشية فشل التصويت أو حدوث اعتراضات سياسية مفاجئة.
من جهته، يوضح القيادي في العزم عزام الحمداني أن توزيع الوزارات الست داخل المجلس يعتمد “معياري التوافق والنقاط”، إذ تمنح 25 نقطة لمنصب رئيس البرلمان و8 نقاط لكل وزارة. لكنه يشدد على أن التوافق يبقى الخيار الأكثر واقعية، لأنه “يتجاوز منطق الحصص ليمنح شرعية وطنية أوسع، خصوصاً أن المرشح يجب أن يحظى بقبول شيعي وكردي”.
داخل اجتماعات المجلس، اتسعت القناعة بأن منصب رئيس البرلمان “ليس استحقاق حزب أو فرد، بل استحقاق مكوّن”، ما يعني – وفق الحمداني – ضرورة أن يكون المرشح “من قادة الخط الأول في البيت السني”، في محاولة لمنع احتكار المنصب أو استخدامه كورقة تفاوض حزبية.
ومع أن الجلسة الأولى للمجلس ركّزت على جمع الأطراف، فإن الجلسة الثانية اقتربت – كما يكشف الحمداني – من “تثبيت مبادئ الشراكة والثقة”، وهو ما قد يفتح الباب أمام طرح أسماء في الجلسة الثالثة المتوقعة بعد المصادقة على النتائج.
وفق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، جاءت خريطة التمثيل النيابي على الشكل الآتي: ائتلاف الإعمار والتنمية: 46 مقعداً، ائتلاف دولة القانون: 29، حركة الصادقون: 27، حزب تقدم: 27، الحزب الديمقراطي الكردستاني: 26، قوى الدولة الوطنية: 18، بدر: 18، الاتحاد الوطني الكردستاني: 15، تحالف العزم: 15. هذه النتائج تضع القوى السنية أمام واقع سياسي معقّد: تقدم يمتلك ثقلاً كبيراً بـ27 مقعداً، لكن العزم والسيادة وباقي التحالفات مجتمعة تمتلك هي الأخرى وزناً لا يمكن تجاوزه. وفي ظل دخول الفاعل الشيعي في سباق اختيار رئيس الوزراء المقبل، يُرجح أن موقع رئاسة البرلمان سيُستخدم ضمن عملية المقايضة السياسية الواسعة التي ستسعى كل الكتل لإدارة توازناتها عبرها.
بحسب رئيس تحالف واسط محمد المياحي، فإن الهيئة القضائية والمحكمة الاتحادية ستصادقان على النتائج خلال الأسبوع الجاري، على أن تُعقد الجلسة الأولى للبرلمان مطلع الشهر المقبل لاختيار رئيسه ونائبيه.
المياحي كشف عن حصْر “الإطار التنسيقي” لترشيح رئيس الوزراء بثلاثة أسماء: علي الشكري، حميد الشطري، باسم البدري، متوقعاً إعلان المرشح النهائي خلال الأسبوع المقبل. كما استبعد حصول رئيس الوزراء الحالي على ولاية ثانية، قائلاً إن “فرصه ضئيلة جداً”. ويتوقع المياحي أن تُحسم أسماء مرشحي الرئاسات الثلاث خلال أسبوعين “من دون أي خرق للمواعيد الدستورية”.
من جهتها، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن النتائج سترسل إلى المحكمة الاتحادية خلال يومين، مؤكدة أن جميع الطعون لم تقدّم أدلة أو أشرطة تتعارض مع النتائج المعلنة، وأن نظام توزيع المقاعد “كان دقيقاً”. تبدو الأزمة السنية مرآة للأزمة الوطنية الأشمل. فبينما يتحدث الجميع عن التوافق، تبقى حسابات النفوذ والمصالح داخل المكون وفي علاقته بباقي القوى هي العامل الحاسم في تسمية رئيس البرلمان المقبل. ومع اقتراب عقد الجلسة الأولى، يزداد الضغط على المجلس السياسي الوطني لتحويل مبادئ الشراكة التي أعلنها إلى قرار عملي ينهي الجدل، ويضمن للمكون السني حضوراً مؤثراً في معادلة الحكم المقبلة.
وفي ظل السباق الشيعي نحو حسم رئاسة الوزراء، والسباق الكردي لحسم مرشح رئاسة الجمهورية، يصبح المنصب السني الأول واحداً من مفاتيح تشكيل الحكومة، وأحد مراكز التوازن الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة.