علي الشرع
كل هذا التشنج والاحتدام والضجيج الذي نعيشه في الشرق الأوسط في صورة حرب او حروب ناعمة وغير ناعمة هو من اجل صياغة ملامح الشرق الأوسط الجديد قسراً رغم انف أبنائه خدمة لأهداف الغرب الاستراتيجية حتى يظلوا هم امنين، وليس مهماً ان يدفع أبناء الشرق الأوسط تكلفة هذه الحروب من ازهاق للنفوس او خراب اجتماعي واقتصادي. وصناعة شرق أوسط جديد لا يخص أبناء المنطقة فقط بل سيكون نقطة البداية لصناعة نظام عالمي جديد تهيمن عليه قيم المجتمع الغربي وسياسته ويهيأ للبقاء الابدي للكيان الإسرائيلي. لكن لماذا البداية من الشرق الأوسط؟ وما هي ملامحه الجديدة التي تريد القوى الغربية ان تفرض على أبنائه بالإكراه حيث يتوجب يجب ان يسيروا في ممر او ممرات مرسومة بأيدي قوى قاهرة وصولا الى الهدف المحدد؟
اما سبب اختيار هذه المنطقة كنقطة انطلاق لاحداث تغيرات عالمية كبرى هو أنها نقطة ضعيفة رخوة يسهل تشكيلها بسهولة حيث تمتاز دولها بالتخلف الاقتصادي وعدم القدرة على المواجهة والتصدي لقاذفات الشبح، كما انها غنية بالثروات اضافة لموقعها الجغرافي الوسط الذي يفصل دول الشرق الأقصى عن الغرب التي لحقت بالغرب وتنافسه بشدة في كل شيء وعلى جميع المستويات. والسبب الاهم من ذاك ان لابناء هذه المنطقة قيمهم الخاصة التي تتسق مع الفطرة الانسانية في حين يعاني أبناء الغرب من الضغط النفسي الكبير الناجمة من الابتعاد عنها الفطرة، وهذه القيم يمكن ان ينجذب لها اولئك الافراد من الغرب الذين استنزفوا روحيا وعاطفياً فاذا مالوا اليها واعتنقوها سينهزم الغرب من دون سلاح بعد اضمحلال قيمه التي يتبجح بها كذباً وتضليلاً، وتنتهي بذلك قوتهم وحضارتهم المادية. لهذا السبب ولكون هذه القيم صلدة وراسخة يتوجب كسرها وتفتيتها وإحلال القيم الغربية محلها قبل فوات الاوان. فاذا تمكنوا من ذلك ستكون الساحة العالمية خالية حيث لا يبقى منافس ايدولوجي يقف بوجه القيم الغربية.
اما الملامح الجديدة للشرق الاوسط فترسم انطلاقاً من رؤية الكيان الخائف على مصيره من الزوال. وهذه الملامح الجديدة ترسم على نطاقين أولهما التغيير على مستوى السياسة والأرض (إعادة ترسيم الحدود الجغرافية لدول المنطقة عبر الضم-التهجير- التجزئة)، اما الأخر فهو تغيير في القيم المجتمعية. فيما يتعلق بالتغيير السياسي فيتم عبر الضغط على السياسيين من اجل جلب حكام مطيعين لامريكا والغرب ومتناغمين معهم لسدة الحكم وذلك بتخويف الشعوب من ان أي اختيار اخر لا ينسجم مع صورة الشرق الأوسط الجديد سوف يزرع بذور الشقاق في المجتمع ويضيع عليه فرص التنمية ويدخله في نفق الانعزال والعقوبات وفقدان الاستقرار. ومفهوم (الاستقرار) ليس المقصود منه سوى حماية الكيان وليس خدمة استقرار المجتمع المحلي لتلك الدول، ويعني الاستقرار في هذه الحالة السيطرة على السلاح المعارض الذي يرفض الملامح الجديدة للشرق الأوسط المصنوع بيد الغرب والكيان. انهم يريدون منطقة خامدة سلاحها فقط لحفظ الامن الداخلي لا يتعداه. وهناك من هو مستعد للطاعة والرضوخ من اجل المنصب بل ان من الناس من يؤيد هذا الشخص الباحث عن الحكم، ففهم يقنعون انفسهم ان كل الدول المناهضة لامريكا محاصرة وتحت مطرقة القصف الأمريكي بينما أي بلد اصطف مع أمريكا يعيش ابناؤه بنعمة ونعيم، ويغفلون عن واقع ان هناك شروط إضافية يجب ان يلتزموا بها والا تعرضوا للقصف والخذلان واهم تلك الشروط هو ان لا تعارض تلك الدولة اهداف الكيان. ومع ذلك فأن هذا الاستنتاج ليس صحيحاً فالدول المنضوية تحت راية أمريكا تفقد استقلاليتها، ولا أظن ان احداً في هذه المنطقة من يرضى بالاستعباد.
وسيستخدمون سياسة الضم-التهجير- التجزئة وليس التجزئة فقط الى دويلات كما هو متوقع حتى تخدم غرض ابعاد الشيعة عن الحدود المصطنعة التي خطها الكيان الاسرائيلي على ألاماكن التي يعيش عليها المستوطنين واطلق عليها (دولة). وسياسة الضم- التجزئة تعني ان تقتطع بعض المساحات من الدول وتضمها الى أخرى، فاذا لم يكن ممكنا من الناحية الفنية فيتم اللجوء الى التجزئة الى دويلات والا فالتهجير. وستشارك بعض الدول ومنها تركيا في صناعة الشرق الأوسط فينزو اردوغان على الموصل وربما يصل لسانه ويده الى كركوك فيضمها له وربما أراضي قسد في سوريا لضمان امن تركيا. اما مشاركة العراق في مشروع صناعة الشرق الأوسط الجديد فهي تعني الدخول في التطبيع من بوابة التنمية وهي على كل حال ليست شراكة الصانع بل شراكة المتلقي، بل يمكن ان نتحدث عن السيناريو الأسوأ وهو أن تقتطع الانبار من العراق وتضم الى الأردن ولن يعترض احد، والهدف هو عزل الشيعة وابعادهم عن حدود الكيان. وبنفس الهدف لضم لبنان بأكملها الى سوريا بحيث اما ان يذوب الشيعة في محيط سني كبير تحت سلطة الحكومة السورية المتطرفة او يهجروا الى مناطق داخل سوريا: لأن الشيعة لا يلقون سلاحهم بسهوله وسيرفضون نزعه في الظرف الحالي وحينها ستتركهم الحكومة اللبنانية المرعوبة فريسة للكيان ليقصفوهم كما هو حالهم اليوم بحيث لا يبقى لهم شيء؛ لا رجال ولا سبيل للعيش فيهاجروا قسرا الى أماكن بعيدة عن الحدود. فالخطة ليس نزع سلاح حزب الله فقط بل ابعاد الشيعة عن حدود الكيان وجلب اخرين لا يهددون بقاءه. فالمفاوضات ( او بعبارة أخرى، التطبيع) خير من الحرب كما يقول الرئيس اللبناني وهكذا بدأت تبرز ثمار حروب التطبيع. وحتى تظهر الملامح الجديدة البراقة للشرق الاوسط الجديد لابد من صناعة انسان جديد في المنطقة المحيطة بالكيان بقيم جديدة مشبعة بالقيم الغربية تضيع فيها الهوية الأصيلة والاصلية من خلال تشويه قيمنا والتمرد عليها وتصويرها انها مقيدة لحرية الفرد الشخصية، وينتهي بهم الحال الى الضياح بحيث لا يشاركون لا في التطور العلمي ولا صنع الحضارة بل تظل شعوب مستهلكة لمنتجات الغرب والكيان. ان الهدف من اظهار الشرق الأوسط بملامح جديدة هو كي تكون لامريكا والغرب والكيان اليد الطولى في المنطقة والعالم. اما بالنسبة لابناء الشرق الأوسط فينظرون الى الشرق الأوسط الجديد كمسخ بلا ملامح طالما سيخسرون هويتهم ويصبحوا ضعفاء مستضعفون لا كلمة لهم ولا رأي. فهذا الشرق الأوسط الجديد ليس لنا ولم ينطلق من ثقافتنا ولا يحافظ على قيمنا، وهو تخريب متعمد للإنسان والارض، وعلى الجميع الوقوف ضده، لأن تكلفته باهظة. وها نحن نعيش المخاض الأخير قبل ظهور ملامح هذا الشرق الأوسط الجديد الا اذا كانت لأبنائه كلمة أخرى لاسيما ان محور الخير الذي كان يحرض به نتنياهو العرب قد تحطم وانكشفت خدع اتفاقات ترامب في لبنان وغزة، وهو ما دفع زيلينسكي ان يبحث عن جودة السلام؛ لأنه يخشى ان يكون السلام مع روسيا كالسلام مع الكيان تقصف فيها أوكرانيا وتكبل يداه عن الرد مع انه ند قوي لروسيا وهو ما لم يلتفت له العرب او علموا فتواطئوا ضد اهل الجنوب في لبنان وغزة ليتخلصوا منهم.