بغداد – ياسر الربيعي
يشهد قطاع الطاقة في العراق، خلال الأشهر الأخيرة، تحولًا لافتًا في مستوى الحضور الأميركي داخل ملفات الغاز والنفط، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة رسم توازن جيوسياسي أكثر مرونة، يقوم على تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على إيران، من دون القطيعة معها. ويرى مراقبون أن هذا المسار الاقتصادي قد ينعكس سياسيًا، ليكون أحد ملامح المرحلة المقبلة، ولا سيما مع اقتراب استحقاق تشكيل حكومة جديدة.
في هذا الإطار، وقّعت وزارة الكهرباء، في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر، عقدًا مع شركة إكسيليريت إنرجي الأميركية لإنشاء منصة عائمة للغاز الطبيعي المسال، بطاقة تصل إلى 15 مليون متر مكعب يوميًا، لتجهيز محطات الكهرباء بالغاز لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد. ووصفت الحكومة المشروع بأنه سينفذ “بوقت قياسي وكلفة أقل من المنصات الثابتة”، معتبرة إياه حلًا سريعًا ومرنًا لمعالجة فجوة الغاز التي يعاني منها العراق منذ سنوات.
وتُعد هذه الخطوة تحولًا مهمًا في سياسة الطاقة، خصوصًا أن العراق يستورد يوميًا ما بين 20 و50 مليون متر مكعب من الغاز الإيراني، تُسهم في تشغيل نحو ثلث إنتاج الكهرباء المحلي. وقد أدت التقلبات المتكررة في الإمدادات الإيرانية، خلال فترات الذروة، إلى فقدان ما يصل إلى خمسة آلاف ميغاواط من القدرة الإنتاجية، ما تسبب بأزمات تجهيز حادة وانعكاسات اجتماعية واسعة.
ووصف بيان صادر عن السفارة الأميركية في بغداد توقيع العقد مع “إكسيليريت” بأنه “خطوة تاريخية نحو استقلال العراق في مجال الطاقة عن إيران”، في موقف عكس بوضوح الرهان الأميركي على ملف الغاز بوصفه مدخلًا لتعزيز النفوذ الاقتصادي وتقليص الاعتماد المتبادل بين بغداد وطهران.
وبعد أن أعلن العراق تحقيق الاكتفاء الذاتي من إنتاج البنزين عالي الأوكتان، تأمل الحكومة الوصول إلى اكتفاء مماثل في ملف الغاز بحلول عام 2028، بالتوازي مع تقليل معدلات حرق الغاز المصاحب. وضمن هذا التوجه، يجري العمل على إنشاء منصة عائمة ثانية في ميناء خور الزبير بمحافظة البصرة، مرتبطة بأنبوب بطول 45 كيلومترًا لنقل الغاز مباشرة إلى محطات التوليد، فيما تسعى وزارة النفط إلى رفع نسب استثمار الغاز المصاحب إلى 70% بنهاية 2025، وصولًا إلى 100% في عام 2028، بهدف وقف حرق أكثر من 1.5 مليار قدم مكعب يوميًا.
في السياق ذاته، يؤكد صباح صبحي، عضو لجنة النفط والغاز النيابية، أن الإدارة الأميركية الحالية تمنح أولوية واضحة للتعاون الاقتصادي مع العراق، معتبرًا أن المشاريع الأميركية الجديدة، ولا سيما في قطاع الغاز، “تفتح مسارًا واقعيًا لتقليل اعتماد العراق على الغاز الإيراني، وتمنحه استقلالية تدريجية في ملف الطاقة”. ويضيف، في تصريح صحفي، أن التأثير الأميركي على المشهد السياسي العراقي، وخصوصًا في ملف التعيينات الوزارية، “قد يكون أكثر وضوحًا” في الحكومة المقبلة.
في المقابل، تتبنى انتصار الجزائري، العضو في اللجنة ذاتها، موقفًا أكثر توازنًا، مؤكدة أن العراق منفتح على الشراكة مع جميع الشركات الأجنبية، بما فيها الأميركية، شرط ألا تمس هذه الشراكات بسيادة القرار الوطني أو تتحول إلى أدوات ضغط سياسي. وتشدد على أن ربط دخول الشركات الأميركية بمحاولة إضعاف النفوذ الإيراني “قراءة غير دقيقة”، لأن بغداد – بحسب تعبيرها – “تجيد إدارة توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف”.
ولا يقتصر الحراك الأميركي على الجانب الاقتصادي، إذ يتقاطع مع نشاط سياسي متزايد. فقد استقبل رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس، حيث جرى التأكيد على أهمية دعم نشاط الشركات الأميركية في العراق، وضرورة تشكيل حكومة قوية ومستقرة بعد الانتخابات المقبلة، فيما شدد هاريس على حرص بلاده على علاقات متوازنة مع مختلف القوى السياسية العراقية.
وفي قطاع النفط، تواصل وزارة النفط مفاوضاتها مع شركة شيفرون الأميركية لاستلام تشغيل حقل غرب القرنة-2 بدلًا من شركة لوك أويل الروسية، التي أعلنت القوة القاهرة على خلفية العقوبات الغربية المفروضة على موسكو. كما أبدت إكسون موبيل اهتمامًا بشراء الحصة الأغلبية في الحقل ذاته، ما يعزز توجه بغداد نحو استبدال الشركات الروسية بأخرى أميركية في أحد أكبر الحقول العراقية.
ويُعد حقل غرب القرنة-2، المكتشف عام 1973، من الحقول العملاقة التي تشكل ركيزة أساسية في خطط زيادة الإنتاج النفطي العراقي. وتسعى بغداد إلى ضمان استمرار تطويره بعيدًا عن الضغوط الجيوسياسية التي فرضتها الحرب في أوكرانيا والعقوبات على الشركات الروسية.
وبحسب خبراء ومراقبين، فإن تصاعد النشاط الأميركي في قطاع الطاقة العراقي يعكس توجهاً استراتيجيًا مزدوج الأبعاد: اقتصاديًا عبر دعم استقلال العراق في مجال الطاقة، وسياسيًا عبر تخفيف حدة الضغوط المتبادلة بين واشنطن وطهران على بغداد. ويرجّح هؤلاء أن يكون هذا المسار أحد العوامل المؤثرة في ملامح الحكومة المقبلة، التي يُنتظر منها إدارة توازن أكثر تعقيدًا بين المصالح الدولية والإقليمية، في ظل بيئة داخلية حساسة وتحديات اقتصادية متراكمة.