رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 27 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1716

ثورة الموارد المقبلة: دور التكنولوجيا وموقع العراق منها

تعرض مؤسسة "نهار للتنمية المستدامة" في أولى نشاطاتها هذه الدراسة، التي تقوم "العالم" بنشرها على سلسلة مقالات، والتي تخص مستقبل موارد مياه نهري دجلة والفرات، وما لها من تأثيرات اقتصادية؛ بيئية؛ اجتماعية؛ ديموغرافية وسياسة، على مجتمعات حوضيهما. كما تهدف هذه الدراسة الى الاستشراف والبحث عن حلول لموضوع حيوي يتوقف عليه مستقبل ووجود العراق ومجتمعه.
ويفترض قسم الابحاث في المؤسسة، في هذا البحث، ان مخاطر انحسار مياه النهرين قائمة. وان مدى وحجم ازمة المياه المستقبلية في العراق ـ على الرغم من انها ازمة عالمية ـ يتصفان ببالغ الخطورة، لانها تتعلق بتوفر العنصر الاساسي لاستقرار المجتمعات وتطورها وازدهارها.
ويردف باحثو المؤسسة، ذلك الكلام، بأنه، يمكن للمجتمع العراقي أن يحول هذه المخاطر الى عامل تحفيز أفقي وعمودي من خلال تبني الاسس العلمية التي تمكنه من ابتداع وتطوير امكانات وقدرات جديدة على المستوى التكنولوجي والاقتصادي، لمواجهة الازمة، وكذلك تبني اسس وأساليب جديدة، تستند عليها العلاقات مع الدول المتشاطئة.
 الجزء الرابع 

لقد شهد القرن العشرون زيادة مطردة للطلب على السلع الاساسية مثل الطاقة، الحديد، الحبوب والماء، لكن على الرغم من ذلك فان مؤشر السعر الحقيقي لهذه السلع انخفض بمقدار النصف. ورغم انخفاض اسعار هذه السلع فان التحديات المستقبلية التي تواجه العالم هائلة ذلك لان نمو الطلب المطرد وغير المسبوق على الموارد وزيادة عدد السكان، اضافة الى اتساع الطبقة الوسطى في الهند والصين سيخلق ضعطا  جديدا على استقرار الاسعار، ما يرفع من درجة عدم اليقين حول اتجاهات اسعار هذه السلع. ولهذا فان البديل الناجع هو استنباط وسائل وطرائق جديدة لرفع كفاءة استخدام الموارد. 
ان استخدام التكنولوجيا والاساليب السليمة في الزراعة واضافة الاسمدة ساهم برفع معدل النمو السنوي لانتاج العالمي للحبوب والذي قدر بحدود 2.1% سنويا للفترة بين 1960-2000 رافق ذلك معدل زيادة سنوية منخفضة للمساحة المزروعة والتي كانت بحوالي 0.1%[1].  لم يشهد العراق اي زيادة ملحوظة في معدل نمو انتاج الحبوب لنفس الفترة المذكورة، بل شهدت نمو سالبا الا في السنوات الاخيرة.
لقد ارتفع انتاج الهكتار الواحد من الحبوب (هكتار = 10000م2) من 3 الى 9 أطنان للفترة بين عامي 1960 و1990 في شمل غرب اوربا مقارنة بـ 1 طن/ هكتار في عام 1800 وباستخدام نفس كمية المياه. كما استطاعت فيتنام بعد عام 1975 ان ترفع انتاج الرز من 2.5 الى 7 طن/ هكتار، واستطاعت ان تحصد حصدتين او ثلاث حصدات، ليصل انتاج الهكتار الى 20 طن/ هكتار في السنة [2].
ان العلم الذي تبنى عليه الحلول لمشاكل المياه الحالية والمستقبلية لن يكون محصورا باختصاص محدد، بل متعدد التخصصات ويتضمن العلوم الاسياسية الفيزيائية والبايلوجية وتطبيقاتها، اضافة الى مساهمة واسعة من علوم الهندسة بمختلف تخصصاتها، وعلوم الهيدرولوجيا، علوم المناخ وعلوم الجيولوجيا. كما ان مشاكل ادارة المياه والسياسات المتعلقة بها والجوانب المؤسساتية تتطلب معالجتها مناهج تتبني  العلوم الاجتماعية الاساسية والتطبيقية.
على الرغم من التقدم االعلمي في مجالات عديدة في الوقت الحاضر لكن هناك حاجة ملحة الى تكنولوجيا متطورة وتقدم في علوم البيئة وعلوم  الاستدامة. كما أن هناك حاجة ماسة ايضا الى مساهمات ابداعية من العلوم الاجتماعية، تتعلق بسلوك مستخدمي المياه، اضافة الى ابتداع مؤسسات فعالة، تدفع باتجاه  تبني الاسس العلمية للاستخذام المستدام للمياه.
ان بناء حلول تكنولوجية مبنية على اسس علمية في جميع القطاعات، يتطلب معرفة دقيقة بالرابطة (او المتكاملة) الثلاثية المتمثلة بالغذاء -الماء - الطاقة. ان مشكلات متكاملة الطاقة والمياه والغذاء وحلولها مترابطة. لان الماء يستخدم للري (طاقة الحبوب)، الحفر، التعدين، كما ان انتاج الطاقة يتطلب توفر الموارد المائية اللازمة. كما ان استخدامات المياه تتطلب توفرالطاقة لسحب المياه وتوزيعها اضافة الى معالجاتها وازالة ملوحتها كما يوضح الرسم البياني 1.  ورغم هذا التلازم بين الماء والطاقة نجد موضوع توفير الطاقة والمياه ينظر لك منهما بانفراد. 
اننا نعيش في عالم محدود الموارد وان البشرية تنتج غذاءها والطاقة اللازمة لانتاج الغذاء تحت محددات الندرة الزمانية والمكانية. ورغم ذلك تشير التقديرات الى ان ما يهدر من الغذاء المنتج  في الواليات المتحدة  يقدر بحوالي 25% [3]. وهنالك احصاءات اخرى تشير الى ان الهدر يصل الى 50% من الغذاء المنتج في اماكن اخرى من العالم  [4] . وهذا ينعكس بهدر مضاعف المتمثل بالمياه المهدوره التي استخدمت لانتاج الغذاء المهدور اضافة الى ضياع الطاقة المستخدمة في استعمالات المياه لانتاج الغذاء، فضلا عن فقد الفرص المتاحة التي كان يمكن من خلالها توجيه الموارد الى عمل اقتصادي اخر او المحافظة على الموارد والبيئة.
ان استخدام التقنيات المختلفة للحصول على المياه النظيفة يتطلب استخداما كثيفا للطاقة كما يبين الجدول 1. وعلى الرغم من ان تكاليف البنية التحتية لمشاريع معالجة مياه الصرف الصحي عالية، لكنها اصبحت ممكنة. لقد حصل تقدم كبير في السنوات الاخيرة في تقنيات تحلية المياه المالحة وخاصة باستخدام التناضح العكسي Reverse Osmosis لكن لا تزال تكلفة الطاقة المستخدمة عالية. لقد ارتفعت كفاءة اغشية الفلترة الى نسبة عزل للاملاح تتراوح  بين 99.6 - 99.8% الذائبة في مياه البحر وانخفضت الطاقة اللازمة للمتر المكعب ضمن حدود 2 Kw.h /م3 [5] . لقد اجرى العلماء تجارب حول فلترة المياه المالحة باستخدام الطاقة الشمسية والاستعاضة عن المعادن الثمينة بالالمنيوم. ومن المؤمل ان تضاف نتائج هذه البحوث الى حزمة الحلول العلمية والتكنولوجية لازمة المياه في المستقبل [6].  
جدول 1. الطاقة اللازمة للحصول على متر مكعب من المياه النظيفة من المصادر المختلفة. الارقام مستندة على(Scientific American  2008).
المصدر        الطاقة اللازمة (Kw.h/م3)
لانهار والبحيرات        0.37
المياه الجوفية        0.48
معالجة مياه الصرف الصحي    2.5-1.0
مياه البحر                    8.5-2.58     
تعمل الكثير من مراكز البحوث على رفع كفاءة الاغشية وخفض الطاقة اللازمة لتحلية المتر المكعب من مياه البحر الى الحد الادنى الامثل والمقدر بحوالي 1.05 Kw.h /م3 . 
ان جوهر ثورة الموارد المقبلة لن يكون بايجاد موارد جديدة اوبديلة بل سيكون هو مراجعة الموارد المستخدمة من قبل المنتج او المنتجات المستهلكة من قبل المستهلك واختيار تلك التي تتميز بالكفاءة، اقل تكلفة، ليست نادرة واقل مخاطرة والتي يمكن استخدامها كبدائل. وان الهدف من استخدام هذه البدائل هو الكفاءة العالية. ان التقدم في علوم المواد على مستوى النانو والقدرة الفائقة لمعالجات الكمبيوتر، مكن الباحثين والصناعيين من خلق ثورة في في مجال خصائص السطوح، مميزات الامتصاص، في البصريات والخصائص الكهربائية [7]. ان التقدم في علوم النانو ساعد في انتاج جيل جديد من فلاتر المياه ذات الكفاءة العالية. لقد بدأ العمل باعادة انتاج العديد من المواد ويشمل هذا الاتجاه ايضا اعادة انتاج الغذاء وتتميز طرق الانتاج الجديدة بكفاءة عالية بأستخدام الموارد [8].
لعل من اهم عناصر ثورة الموارد المقبلة هي الاستخدام الامثل والكفوء للموارد والفرص التي ستخلقها للمنتج والمستهلك. ولكن لا بد للمؤسسات والافراد والدول ان تتهيأ لايجاد اطر العمل والمؤسسات الفعالة للاستفادة من التغير القادم في استخدام الموارد. وسيكون التعليم والوعي المجتمعي من اهم الاطر الموسساتية التي ستمكن المجتمعات من مواجهة نقص الموارد وما يرافقها من مخاطر على استقرار المجتمعات.
ولا بد من الاشارة هنا الى التطور التقني والاستخدام الكفوء للموارد، يستند على قاعدة اساسية وهي المدى الذي توليه المجتمعات والمؤسسات الحكومية للتعليم وللبحوث والتطوير. لعله من المؤسف ان العراق يعتبر من الدول التي لا يوجد في موازناتها اي تخصيص للبحوث والتطوير، وان معظم الدول التي انتقلت الى مصاف الدول المتقدمة، كانت ولا تزال تتبنى إستراتيجيات طويلة الامد في مجال العلوم التطبيقية والبحوث والتطوير والذي سيكون البحث القادم. 
المصادر:
[1]    World Data Bank. 2016 World Development Indicators. Available:  http://databank.worldbank.org/data/ 
[2]    López-Gunn, E. and Llamas, R. M. 2009. Can human ingenuity, Science and Technology help Solve the World’s Problems of Water and Food Security?. In: Luis Martínez-Cortina, Alberto Garrido, Elena López-Gunn (ed.). Re-thinking Water and Food Security. Fourth Botín Foundation Water Workshop. Available: http://www.fundacionbotin.org/89dguuytdfr276ed_uploads/Observatorio%20Tendencias/PUBLICACIONES/LIBROS%20SEM%20INTERN/Rethinking%20water/libro%20completo-rethinking%20water.pdf.
[3]     Weber, E. Michael. 2009.  Energy, Water and Food Problems Must Be Solved Together. Scientific American. February 2015.
[4]    Gustavsson, J., Cederberg, C. & Sonesson, U. 2014.Global Food Losses and Waste – Extent, Causes and Prevention. FAO. Available: http://www.fao.org/docrep/014/mb060e/mb060e00.pdf
[5]    William A. J. and Vaux, H. Jr. 2004. The Role of Science in Solving the World’s Emerging Water Problems. PANAS. www.pnas.orgcgidoi10.1073pnas.0506467102.
[6]    Service, R. New water Purification System Could Help Slake the World’s Thirst. SCIENCE. Apr. 27, 2016. DOI: 10.1126/science.aaf5666
[7]     Elimelech, M., and Phillip, W. A. 2016. The Future of Seawater Desalination: Energy, Technology, and the Environment. SCIENCE. VOL 333 5 AUGUST 2011.
[8]     Richard Dobbs, Jeremy Oppenheim and Fraser Thompson. 2012 . Mobilizing for a Resource Revolution. McKinsey Quarterly 2102.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي