رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

تطور المواطنة والتعايش في العصر الحديث

كريم حنش
بعد الثورة الفرنسية، اعتقد رجال السياسة الاوربيون، بحسب العالم السياسي الانجليزي جراهام ولاس أنه (لا يستطيع أي مواطن أن يتصور دولته شأنا يتعلق به سياسيا أو أن يجعل منها قضيته إلا إذا آمن بوجود إطار وطني يندمج فيه الافراد الذين يشكلون سكان هذه الدولة، كما أنه لا يستطيع أن يستمر في الايمان، بوجود هكذا نموذج، إلا إذا كان إخوانه المواطنون يماثلون بعضهم بعضا ويماثلونه هو نفسه، في نواح معينة على قدر من الاهمية))، من المؤكد أنه، قبل القرن الثامن عشر، نادرا ما كانت هناك علاقة بين المواطنية والقومية، لانهما ارتبطتا بكيانات سياسية -اجتماعية مختلفة .ويمكننا ان نسوق ثلاثة أمثلة كشواهد على ذلك، فقد كان مواطنو المدن -الدول في اليونان القديمة يدينون بمكانتهم المدنية لمدنيتهم الخاصة التي وصل التحامهم الوثيق بها إلى حد القتال المرير ضد المدن الاخرى المنافسة، حتى القرن الثامن عشر، كان لكلمة ((أمة )) دلالات مختلفة عما هي عليه اليوم، بعد ذلك، بدأت تتحول لتصبح مرادفة ل ((أرض الاجداد))والشعب الذي يسكنه ومثلما بدأت كلمة مواطن تنسلخ عن معناها الشعبي، وتلتصق بالدولة، كذلك أخذ تعبير أمة يتصل بالدولة أيضا، وهذا لا يعني، بأي شكل، بأي شكل، القول بأنه من الضروري أن يكون لهما المعنى نفسه في القرن الثامن عشر، ذلك بسبب وجود تعقيدات معينة، والسؤال الذي بقي دون حل هو :هل كان تعريف الامة يستند إلى المعيار السياسي أو الثقافي، هذا التعريف التقريبي للمواطنين ليس سيئا بمغازيه المدنية والسياسية، كما ظهر هذا التراصف ما بين القومية والمواطنية في اعلان الحقوق، الذي خصص بأن السيادة تكمن أساسا في الامه، إضافة الى ذلك فأن دستور سنة ١٧٩١قدم فرصة اكتساب المواطنية الفرنسية للأجانب، مؤشرا بذلك إلى غياب أية صلة ضرورية بين المكانة المدنية والهوية القومية  بالمعاني الثقافية أو الاثنية أو العرقية، اما على الصعيد العام للممارسة فلم تصل فرنسا إلى حد تصبح معه نموذجا للانفتاح على المواطنية القومية فالهجرة الكبيرة إلى الولايات المتحدة أسست ذلك البلد كمثال، حيث وصل إليها خمسة ملايين ما بين سنة ١٨٢٠ وسنه ١٨٦٥ ونحو ٢٠ مليوناً ما بين عام ١٨٧٠وعام ١٩٢٠، وكان الاستيعاب في صفوف المواطنين الاميركيين يتطلب، عادة، الخضوع وللاختبار العملي في الكتابة والقراءة، أن القدرة على الكتابة والقراءة افترضت، مسبقا، إلماما أساسيا معينا باللغة، ولكن إذا كانت المواطنية تتطلب فهم لغة الدولة -الامة، فان مفهوم القرن التاسع عشر للقومية /الوطنية كان أيضا يفهم، في العادة، أن له أساسا لغويا، فعلاقة المواطنية السياسية مع الجنسية من خلال قناة اللسان المشترك قد شرحها جون ستيوارت ميل بشكل كلاسيكي، حيث اعلن انه (من شبه المستحيل إن تقوم مؤسسات حرة في بلد مؤلف من جماعات من البشر من جنسيات مختلفة، اذ إن قسما كبيرا من افراده لا يربطهم الشعور بروح الجماعة، وبخاصة اذا كانوا يقرأون ويتكلمون لغات مختلفة مما يتعذر معه وجود مواقف موحده في الآراء العامة الضرورية لسير اعمال الحكومة التمثيلية، حتى في فرنسا، الدولة القومية الاوربية المثالية فقد قدر عام ١٧٨٩من القرن الثامن عشر ان نصف مجموع السكان على جهل مطبق باللغة الفرنسية نطقا وكتابة مما كان مدعاة للقلق حتى ان باير صرح عن هذا الهاجس عام١٧٩٤ بقوله (ايها المواطنون !ينبغي ان تكون لغة الشعب الحر واحده للجميع، لقد لاحظنا ان اللهجة المسماة بابريتون ولهجة الباسك واللغتين الالمانية والايطالية وطدت سيطرة التعصب والخرافات، ومنعت الثورة من اختراق تسع دوائر ومنحت دراية لأعداء فرنسا، اخلعوا امبراطورية الكهنة بتعليم اللغة الفرنسية، أن ترك المواطنين جاهلين لغتهم القومية هو خيانة لأرض الاجداد، وحتى سنة ٧٠، بقي هذا المثال اليعقوبي لفرنسا، الموحدة بلغة مشتركة، ومن خلالها بهوية وطنية مشتركة، عاجزا عن تحويل ملايين الفلاحين عن التصاقهم الضيق بقربهم ولسانهم المحلي، كما كانت الحال في القرون الوسطى، كان هؤلاء السكان القرويون مواطنين شرعيين وبعضهم له حق التصويت، لكن هذه المواطنة هي من النوع الهزيل حين لا يتوفر في المواطن إلا قليل مما سماه (الشعور بروح الجماعة) تلك الصورة الواقعية لطبيعة العلاقة بين ابناء المجتمعات الاوربية والتي تعبر عن نموذج اندرج ضمن سياقات منطقيه مسترسلة عبر مخاضات تاريخية تطورت بمرور الزمن اللاحق.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي