رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

سيناريو العراق يتكرر فـي مصر: قوميون تركوا «البعث» وانضموا لداعش

بغداد ـ العالم
قال فيليب جنكنز في مقال له على موقع «ذي أمريكان كونسرفيتيف» إنّ الدول عندما تدمر، فلا يمكن التنبؤ بما سيحل محلها.
وأشار فيليب إلى أنّ إرهابيي داعش هاجموا دير سانت كاترين في سيناء الشهر الماضي، على الرغم من أنّ هذا المكان يحوي بين جنباته وثيقة حماية للمسيحيين أصدرها النبي محمد بنفسه، ويُفترض أنّها سارية إلى قيام الساعة. وقد أتى هذا الهجوم في أعقاب الهجمات الدامية التي استهدفت الأقباط في أعيادهم وقُتل على إثرها نحو 40 مرتادا للكنيسة. وهذا يؤشر إلى حجم المعاناة التي تواجهها الأقلية القبطية في مصر، حسب وصف فيليب.
وكان البابا فرانسيس قد زار مصر الأسبوع الماضي، وأكد أنّ "العنف لا علاقة له بالرب، بل إنه يسيء إليه". ويؤكد المراقبون الغربيون أنّ الإرهاب هو أسلوب المتطرفين الرافضين لقبول الآخر، لكن فيليب يرى أنّ تلك الهجمات يقف وراءها منطق ما.
ويؤكد فيليب أنّ هذه الأحداث تظهر ضعف الحكومة المصرية أمام الجهاديين، وتقضي على ما تبقى من صناعة السياحة، لكن هذه الهجمات لها هدف أكبر – يقول فيليب – فهي تحمل رسالة إلى أطراف معينة داخل نظام الحكم في مصر، وبالتحديد الجيش وأجهزة الاستخبارات. وعن طريق إصباغ النبرة الدينية على الصراع يهدف الجهاديون إلى تخيير النخب المصرية بين الإسلام الداعشي وأعدائه.
ويعتقد فيليب أنّ الأمر يمثل مخاطرة؛ لأنه سيشق صف النخب المصرية. وهذا سيسرع من وتيرة انهيار العلمانية في الشرق الأوسط وصعود الإسلام المتطرف، بل قد تتدهور الأوضاع إلى الحد الذي يجعلنا نرى المشهد العراقي يتكرر في مصر.
إذ تبنت الحركات العربية أيديولوجيات متشابهة في معركتها لتطوير بلدانها في القرن الماضي. وقد وجدت تلك الحركات القومية والشيوعية والعلمانية موطئ قدم لها في الجيوش وأجهزة الاستخبارات، ووقعت سلسلة من الانقلابات العسكرية في مصر (الناصريين) والعراق (البعثيين). وقد دخلت تلك الأنظمة في حرب مع حركات الإسلام السياسي، لا سيما عندما قاومت الأخيرة التحديث. ففي مصر، شن جمال عبد الناصر حملة شرسة ضد الإخوان المسلمين، بلغت ذروتها بإعدام سيد قطب عام 1966.
لقد كان الخطاب الديني جذابا بالنسبة إلى كافة الأقليات، التي كانت تخشى من صعود الإسلام السياسي. تحالف الأقباط مع العلمانيين بعد انسحاب البريطانيين من مصر، وغالبا ما كان للأمر علاقة بالتطلعات الدينية. ولم ترُق لهم نزعة القومية العربية التي مثّلها عبد الناصر؛ لأنهم كانوا لا يعتبرون أنفسهم عربا، وإنما ينحدرون من أصول فرعونية. ومع ذلك، فإنّ نظاما متشددا مثل السعودية لم يكره عبد الناصر.
ويشير فيليب إلى أنّ الأقليات في مصر والعراق وسوريا دعمت القوميين، وظلت العلاقة بينهما طيبة طوال فترة استقرار أنظمة الحكم القومية، ولكن عندما انهارت تلك الأنظمة، انحازت تلك الأقليات للأنظمة الدكتاتورية. وقد زاد خطر ذلك، عندما استهدفت الجماعات المتشددة تلك الأقليات.
وقد تعاملت أنظمة الحكم العلمانية والقومية مع مشاعر التدين لدى المحافظين بعنف شديد. أحب المسلمون العاديون شعارات عبد الناصر، ولكن عندما سقطت مصر في وحل الفساد والانهيار الاقتصادي، دبت الحياة في الولاءات القديمة. وقد فقد الناس الثقة في الأنظمة العلمانية والقومية عندما فشلت الأخيرة في التصدي لإسرائيل.
إن وضعا كهذا قد يستمر لعقود – يقول فيليب – ولكن الوضع في مصر تدهور سريعا خلال الأعوام القليلة الماضية، وبات من الصعب التنبؤ بالمستقبل.
ويتساءل فيليب عن مدى قدرة قادة القوات المسلحة على الاحتفاظ بولاء صغار الضباط، إذا ما انخرط الجيش في حرب أهلية مثل التي شهدتها الجزائر. وبعبارة أخرى، إلى أي حد تعول الحكومة على قدرة الجيش على الدفاع عن المسيحيين المكروهين؟ لعل هذا قد يقود إلى انقسام في الجيش؛ مما سيفتح الطريق لاشتعال ثورة. أو يحدث انقلاب عسكري آخر، أو ينتصر الإسلاميون على الجيش مثلما حدث في إيران. وفي كل الأحوال، سينشأ نظام إسلامي متشدد، ومصير الأقباط حينها مظلم.
لطالما سيطر الجيش وأذرعه على مصر، وتمسكوا بالمبادئ العلمانية. ولكن في بعض البلدان، جرى إسقاط النظام الحاكم، والاتجاه نحو النظام الديني. ولا أدل على ذلك من العراق، فبعد سقوط صدام حسين، اعتلى الشيعة المتطرفون سدة الحكم، وظهرت في المقابل جماعات متطرفة لدى السنة، مثل الدولة الإسلامية.
بعد سقوط حزب البعث في العراق، تحالف بعض قادته مع الجماعات المتطرفة، وأثبتت بعض الدراسات أن لداعش جذورا بعثية. فقد انضم العشرات من ضباط الجيش والمخابرات العراقيين إلى صفوف التنظيم.
ويقول فيليب: إنّ بعض المراقبين يرون أن داعش ما هو إلا غطاء ديني اتخذه بعض قادة حزب البعث للعودة إلى سدة الحكم. ولكن لا يتعين علينا إهدار الكثير من الوقت في تطبيق المسميات الغربية على المجتمعات العربية التي يتجذر فيها الدين بعمق. ويرى فيليب أنّ سبب انحسار العلمانية هو أنها تكن متجذرة في المجتمعات العربية.
ولكن هل يمكن أن تتحول المؤسسة العسكرية المصرية بين عشية وضحاها من اضطهاد الإسلاميين إلى الانضمام إليهم وقيادتهم؟
ويرى فيليب أنّ هذه التجارب توفر دروسا لصناع السياسة الأمريكيين، وتساعدهم على ترتيب أولوياتهم الأقليمية. إن لمصر أهمية كبرى في المنطقة. وإذا ما سقط النظام الحالي، فالعواقب ستكون كارثية. ولكن لا يُعرف ما نوع التدخل الأمثل الذي يحقق الأهداف الغربية، أو ما إذا كان التدخل الأمريكي سيعقّد الوضع أكثر من ذلك. ويشير فيليب إلى أنّ انسداد كل السبل نحو التغيير قد يؤدي إلى حدوث التحول من داخل المؤسسة العسكرية. لذا يتعين على الولايات المتحدة الاستعداد لأي تغيير مفاجئ. لا يمكن تحديد دور الدين في الحياة السياسية في الشرق الأوسط. يعتقد الغرب أنّ الجماعات الدينية لا تعي مسائل السياسة الحقيقية، لكن هذا الافتراض خاطئ.
ويختتم فيليب بالقول: إنّ على الولايات المتحدة توخي الحذر عند اختيار الأنظمة التي تريد تغييرها. فكما رأينا في إيران وليبيا والعراق، فإن الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية قد يأتي ببدائل أسوأ غارقة في التطرف الديني.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي