رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

جرائم في وضح النهار أبطالها عراقيون وأجانب يجوبون شوارع العاصمة

بغداد ـ حسين مهدي
في بلادنا، يكون الإنسان الذي يعير حداً أدنى من الاهتمام للجانب الإنساني، صيدا سهلا لشراك عمليات النصب والاحتلال، التي تشهد التطور الأسرع، في ابتكار طرقها.
يلجأ هؤلاء النصابون الى ابتداع طرق وأساليب وحكايات، يؤلفها عدة أشخاص للإيقاع "بالفريسة"، محاولين إبعاد أي شك لدى الضحية بعدم مصداقية الرواية التي يقومون بتمثيلها أمامه. ويبقى الاعتماد في ذلك على الجانب العاطفي والإنساني الذي يعتبر نقطة ضعف لدى البعض، ومنهم هادي عسكر.
خلفت الفوضى بعد الغزو الامريكي للعراق في العام 2005، كثيرا من الظواهر السلبية، أبرزها ظاهرة الفساد، التي تحولت الى ثقافة مجتمعية لدى أغلب موظفي الدولة.
تلك الظاهرة، ومن بين ما صنعت كان الفوارق الطبقية الكبيرة بين فئات المجتمع، وهذا ما زاد من معدلات الفقر لدى السكان الذين اغتصبت حقوقهم الطبقة السياسية الحاكمة، منذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي.
ومنذ الثامن من تموز الماضي، تواصل الاحتجاجات حراكها في مناطق الجنوب ووسط البلاد، يحملون مطاليب متشابهة، أبرزها محاربة آفة الفساد الحكومي.
وعلى أثرها، صرّح رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي بأنه سيطلق "لوائح الفاسدين". اللائحة الاولى ضمت ثلاثة وزراء سابقين وعددا من المدراء العامين، في محاولة لامتصاص غضب المحتجين، الذي يصرون على عدم التراجع حتى تحقيق كامل مطاليبهم، التي تشمل الخدمات وتوفير الوظائف للعاطلين.
في أيار الماضي، أعلن صندوق النقد الدولي، ان معدل بطالة الشباب في العراق تبلغ اكثر من 40%.
وقال تقرير للصندوق الدولي، ان "معدل بطالة الشباب في البلد النفطي العراق يبلغ اكثر من 40%، فيما وصلت إحصائيات نسبة النساء خارج القوى العاملة فيه ما يقرب من 85%".
وشدد التقرير على "ضرورة القيام بتوزيع ثمار الرخاء على الجميع من اجل التقليل من معدل البطالة".
ربما عسكر كان ضحية تلك النسبة، التي تتحمل مسؤولياتها الخطط الحكومية، نتيجة الاعتماد الكلي على المبيعات النفطية في تغذية كافة المشاريع، التي لم يقدم أغلبها خدمات مناسبة للمواطنين، بسبب التلكؤ في إنجازها.
يقول عسكر، انه كان يهم خطواته باتجاه ساحة الواثق في منطقة الكرادة، محاولا ان يستقل سيارة الاجرة "الكيا"، ذاهبا الى مقر عمله، فاستوقفته تاكسي صفراء نوع "النترا"، وفيما طلب منه السائق أن يرشده الى ساحة كهرمانة، بادر شخص يجلس الى جانبه، يسأل:  speak English؟ فأجاب عسكر على الفور: no.
كان ذلك الشخص الذي يجلس الى جانب السائق، تشير سحنته السمراء الخمسينية الى أنه إيراني أو باكستاني الجنسية؛ إذ أخرج من جيبه حفنة دولارات ومن فئات مختلفة، ليطلب من عسكر معادلة قيمة العشرة آلاف دينار بعملة الدولار. قال له عسكر (وكان الحديث يدور أغلبه بإيماءات) انها تعدل تقريبا ورقتين من فئة الـ 5 دولار التي كان السائق يلوح بها في يده.
رنّ تلفون عسكر يسألونه من العمل متى يصل، وبينما هو يجيب أخرج جميع نقوده من جيبه، ليري الشخص الأجنبي شكل الورقة الخضراء، فاستفهم أيضا عن الورقة الحمراء ومن ثم نزل من العجلة، وسحب النقود، بلطف، من يد عسكر وأخذ يتفحصها، وينقلها من يدٍ الى يد، كأنها ورق قمارٍ، فاستغرب عسكر من ذلك، وطلب منه أنْ يرجعها إليه، وبالفعل أعادها اليه، وركب مسرعا، فانطلق السائق، لكن لم يذهب باتجاه ساحة كهرمانة.
وضع عسكر نقوده في جيبه، ورفع يده مؤشرا الى وسيلة نقل عامة، وقبل أن يصل مقر عمله، قرر أن يعدّ نقوده. خفة يد الاجنبي ومحاولات الالهاء التي يمارسها السائق وتلفون العمل، أفقدته 200 الف دينار، فأخذه الذهول والدهشة واسترجاع الموقف.
يقول عسكر، الذي يعمل في إحدى المحطات الاذاعية، انه روى لزملائه ما حدث، فتأسف بعضهم، فيما ضحك آخرون كانوا قد تعرضوا لذات الموقف، لكن بخسارة أقل ضررا.
يبدو أن عسكر، يسجل هنا اعترافا، في طريق إعلان التوبة، من تعاطفه الإنساني مع المارة، لكن موقفه هذا يشبه قرارا يتخذه احد مدمني التدخين، بالإقلاع.
تلك "الجريمة" وقعت ضمن قاطع أمن واستخبارات المسبح، عصر يوم الاثنين الماضي، لكنها حدثت وستنفذ في مواقع أخرى. لا يمكن للسلطات الأمنية لوحدها ضبطها، بل يقع على المجتمع مسؤولية مكافحة ذلك أيضا.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي