رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 24 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2067

دراسة التاريخ.. أمر مهم

تسيونيت فتال*
ليس من السهل أن يعيش المرء في بلد يخشى فيه المثقفون التعبير عن آرائهم، ويتعرّض الباحثون والأكاديميون للاضطهاد بسبب أبحاثهم. ومن الصعب للغاية العيش في دولة عربية يهدّدون فيها الباحثين واضعي الدراسات عن اليهود، الذين يعيشون في بلادهم، ويصفونهم باليهود أو الصهاينة، كما لو كانت كلمة مشينة. يؤلمني أن يحدث كل هذا في مسقط رأس آبائي وأجدادي.
مازن لطيف، باحث عراقي، صحفي وناشر محبّ لبلده. عندما ولد في عام 1971، لم يبقَ في العراق سوى بضع مئات من اليهود، الذين لم يكد يلاحظ أحدٌ وجودهم، بين نحو مليوني شخص عاشوا في العاصمة بغداد، بينما كان خُمس سكانها من اليهود إبّان عشرينات القرن نفسه. وعندما بلغ السابعة من عمره، تعرّف على اليهود لأول مرة من قصص جدّته التي حدّثته عن علاقات حسن الجوار معهم. ولمّا ترعرع، أخذ يجمع كل المعلومات عنهم. وبعد سقوط نظام صدام حسين، تمكّن من الوصول إلى مصادر المعلومات القيّمة، ويتّصل بالباحثين اليهود المشهورين عالميا، والذين ولدوا في العراق، أمثال البروفيسور شموئيل موريه والبروفيسور ساسون سوميخ. أصبح مازن لطيف محور معلومات للعديد من الباحثين في العراق وخارجه في العالم العربي، الذين استعانوا فيه لاحتياجات أبحاثهم حول تاريخ وتراث يهود العراق. وبالرغم من هذا، أخذت بعض العناصر في العراق تلاحقه من أجل ذلك وتهدّد حياته.
"أعيش وعائلتي في خوف يومي يصعب وصفه. ولكني نقيّ الضمير، لأنني أكتب الحقيقة التي جرى تزييفها لعدة عقود عن يهود العراق. وقد سبّبنا الإجحاف لطائفة عراقية حقيقية، وآن الأوان فعلا كي نعيد لها كرامتها واحترامها الذي تستحقه، ونذكر مساهمتها الهامّة بتطوير العراق الحديث"، كما قال في مقابلة صحافية رائعة وشجاعة مع الصحفية شيرين أحمد (صحيفة العالم، 25 سبتمبر 2018)، مؤكدًا أن قصة يهود العراق، الذين عاشوا فيه طيلة 2500 سنة، قبل أمد بعيد من دخول الإسلام، هي قصة العراق، وبات من الضروري أن يطّلع الجيل الجديد على تاريخهم.
كما أتذكر، إلى جانب القصص عن ملاحقة اليهود، حدّثتني جدتي عن علاقات حسن الجوار مع جيرانها العراقيين من غير اليهود، وخصوصا المشهد الأخير المحفور في ذاكرتها من العراق، في عام 1951، عندما اجتمع كل الجيران حولها، في محاولة لإقناعها بالبكاء والدموع ألا تترك العراق وتبقى معهم. أتساءل أحيانًا ما الذي كان سيحدث لو بقي 140 ألف يهودي يعيشون في ظل نظام البعث. تلك السلطة التي لاحقت الجالية اليهودية التي بقيت بعد الرحيل الجماعي في الخمسينات، وعلى مدى عقود حرصت على أن تمحو من الوعي ومن كتب التاريخ مساهمة اليهود العراقيين، خاصة في مجالات الثقافة - الموسيقى والشعر والأدب.
كيهودية وابنة لوالدين ولدا في بغداد، أتمنى حلول اليوم الذي لا تعود فيه كلمة يهودي تعتبر مشينة في العراق، حيث عاش مئات آلاف اليهود بإخلاص طيلة 2500 سنة، وساهموا مساهمة عظيمة في جميع مجالات الحياة ـ الاقتصاد والتعليم والصحة والقانون والصحافة والثقافة.
مازن لطيف هو باحث رائد، يستحق وبجدارة أن يتمّ تكريمه لإسهامه الاعتباري في البحث التاريخي للعراق. وعليه ألا يخشى ذوي العقول الضعيفة وذوي الآفاق الضيّقة، التي تدفعها كراهية الآخر، إلى إحداث تمزقات وتشققات، بل إلى شروخ مؤلمة للعراق. وهذا ما يتعارض ورؤية الملك فيصل الأول، الذي سعى إلى دمج جميع أبناء الجماعات العرقية والدينية في دولة واحدة – دولة الشعب العراقي.
لا أدري متى ستبنى الجسور الأدبية والعلمية وتترسّخ، تلك التي بدأنا بإنشائها في السنوات الأخيرة، بين الذين عاش أجدادهم معًا في العراق، ليصبح جسرًا حقيقيًا، وأتمكّن من الالتقاء وجهًا لوجه مع مازن لطيف، الذي نشر روايتي بالعربية. وحتى ذلك الحين، سنضطر الاستعانة بالوسائل والتقنيات الحديثة لإنشاء صورة مشتركة لنا.
• كاتبة وروائية يهودية عراقية

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي